المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ولما تمكن هذا الوعيد وقضت العقول بأن لا مجادل لله ولا وكيل يقوم بأمور العصاة عنده، عقب ذلك هذا الرجاء العظيم، والمهل المنفسح بقوله تعالى :﴿ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله﴾ الآية، منحنى من عمل السوء، وهما بمعنى واحد تكرر باختلاف لفظ مبالغة، واستغفار الله تعالى مع التحقيق في ذلك توبة وقوله تعالى :﴿يجد الله﴾ استعارة، لما كانت الرحمة والغفران معدة للمستغفرين التائبين، كانوا كالواجدين لمطلوب، وكأن التوبة ورود على رحمة الله وقرب من الله، وقال عبد الله بن مسعود يوماً في مجلسه : كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنباً أصبح قد كتبت كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول شيئاً من ثيابه قرضه بالمقراضين، فقال رجل من القوم : لقد آتى الله بني إسرائيل خيراً، فقال عبد الله : ما آتاكم الله خير مما آتاهم، جعل لكم الماء طهوراً، وقال ﴿ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه﴾ الآية وهذه آية وعد بشرط المشيئة على ما تقتضيه عقيدة أهل السنة، وفضل الله مرجو وهو المستعان(١).
١ - قال الضحاك: نزلت الآية في وحشي قاتل حمزة، أشرك بالله وقتل حمزة، ثم جاء إلى الرسول ﷺ وقال: إني لنادم، فهل لي من توبة؟ فنزل: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه﴾ الآية، وقيل: المراد بهذه الآية العموم والشمول لجميع الخلق، وروى سفيان عن أبي إسحاق عن الأسود وعلقمة قالا: قال عبد الله بن مسعود: من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء ثم استغفر الله غفر له: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾، ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّابا رحيما﴾. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "كنت إذا سمعت حديثا من رسول الله ﷺ نفعني الله به ما شاء، وإذ سمعته من غيره خالفته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر رضي الله عنه: ما من عبد يذنب ذنبا، ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له، ثم تلا هذه الآية: ﴿ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾ (راجع القرطبي)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى