البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء﴾ الظاهر : أنّ الضمير في منهم عائد على بني ظفر المجادلين والذابين عن بني أبيرق.
أي : فلولا عصمته وإيحاؤه إليك بما كتموه، لهموا بإضلالك عن القضاء بالحق وتوخي طريق العدل، مع علمهم بأنّ الجاني هو صاحبهم.
فقد روي أنّ ناساً منهم كانوا يعلمون حقيقة القصة، هذا فيه بعض كلام الزمخشري، وهو قول ابن عباس من رواية السائب : أنها متعلقة بقصة طعمة وأصحابه، حيث لبسوا على الرسول أمر صاحبهم.
وروى الضحاك عن ابن عباس : أنها نزلت في وفد ثقيف قدموا على الرسول ﷺ قالوا : جئناك نبايعك على أنْ لا نحشر ولا نعشر، وعلى أن تمتعنا بالعزى سنة، فلم يجبهم فنزلت.
وقال ابن عطية : وفق الله نبيه على مقدار عصمته له، وأنها بفضل من الله ورحمته.
وقوله تعالى : لهمت معناه لجعلته همها وشغلها حتى تنفذه، وهذا يدل على أنّ الألفاظ عامة في غير أهل النازلة، وإلا فأهل الغضب لبني أبيرق، وقد وقع همهم وثبت.
والمعنى : ولولا عصمة الله لك لكان في الناس من يشتغل بإضلالك ويجعله همّ نفسه، كما فعل هؤلاء، لكن العصمة تبطل كيد الجمع انتهى.
والظاهر القول الأول كما ذكرنا، إلا أن الهمّ يحتاج إلى قيد أي : لهمت طائفة منهم هما يؤثر عندك.
ولا بد من هذا القيد، لأنهم هموا حقيقة أعني : المجادلين عن بني أبيرق، أو يخصّ الضلال عن الدين فإنّ الهم بذلك أي : لهموا بإضلالك عن شريعتك ودينك، وعصمة الله إياك منعتهم أن يخطروا ذلك ببالهم.
وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء أي : وبال ما أقدموا عليه من التعاون على الإثم والبهت، وشهادة الزور، إنما هو يخصهم.
وما يضرونك من شيء مِن تدل على العموم نصاً أي : لا يضرونك قليلاً ولا كثيراً.
قال القفال : وهذا وعد بالعصمة في المستقبل.
﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ الكتاب : هو القرآن.
والحكمة تقدّم تفسيرها والمعنى : إنّ من أنزل الله عليه الكتاب والحكمة وأهله لذلك، وأمره بتبليغ ذلك، هو معصوم من الوقوع في الضلال والشبه.
﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ قال ابن عباس ومقاتل : هو الشرع.
وقال أبو سليمان الدمشقي : أخبار الأولين والآخرين.
وذكر الماوردي : الكتاب والحكمة، وذكر أيضاً مقدار نفسك النفيسة.
وقيل : خفيات الأمور، وضمائر الصدور التي لا يطلع عليها إلا بوحي.
وقال القفال : يحتمل وجهين : أحدهما : أن يُراد ما يتعلق بالدين كما قال تعالى :﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ وعلى هذا التقدير : وأطلعك على أسرار الكتاب والحكمة، وعلى حقائقهما، مع أنك ما كنت عالماً بشيء، فكذلك بفعل بك في مستأنف أيامك، لا يقدر أحد من المنافقين على إضلالك ولا على استزلالك.
الثاني : ما لم تكن تعلم من أخبار القرون السالفة، فكذلك يعلمك من حيل المنافقين وكيدهم ما لا يقدر على الاحتراز منه انتهى.
وفيه بعض تلخيص.
والظاهر العموم، فيشمل جميع ما ذكروه.
فالمعنى : الأشياء التي لم تكن تعلمها.
لولا إعلامه إياك إياها.
﴿وكان فضل الله عليك عظيماً﴾ قيل : المنة بالإيمان.
وقال أبو سليمان : هو ما خصه به تعالى.
وقال أبو عبدالله الرازي : هذا من أعظم الدلائل على أنّ العلم أشرف الفضائل والمناقب.
وذلك أنّ الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا قليلاً، ونصيب الشخص من علوم الخلائق يكون قليلاً، ثم إنه سمى ذلك القليل عظيماً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
منها الاستعارة في : وإذا ضربتم في الأرض، وفي : فيميلون استعار الميل للحرب.
والتكرار في : جناح ولا جناح لاختلاف متعلقهما، وفي : فلتقم طائفة : ولتأت طائفة، وفي : الحذر والأسلحة، وفي : الصلاة، وفي : تألمون، وفي : اسم الله.
والتجنيس المغاير في : فيميلون ميلة، وفي : كفروا إن الكافرين، وفي : تختانون وخواناً، وفي : يستغفروا غفوراً.
والتجنيس المماثل في : فأقمت فلتقم، وفي : لم يصلوا فليصلوا، وفي : يستخفون ولا يستخفون، وفي : جادلتم فمن يجادل، وفي : يكسب ويكسب، وفي : يضلوك وما يضلون، وفي : وعلمك وتعلم.
قيل : والعام يراد به الخاص في : فإذا قضيتم الصلاة ظاهره العموم، وأجمعوا على أن المراد بها صلاة الخوف خاصة، لأن السياق يدل على ذلك، ولذلك كانت أل فيه للعهد انتهى.
وإذا كانت أل للعهد فليس من باب العام المراد به الخاص، لأن أل للعموم وأل للعهد فهما قسيمان، فإذا استعمل لأحد القسيمين فليس موضوعاً للآخر.
والإبهام في قوله : بما أراك الله وفي : ما لم تكن تعلم.
وخطاب عين ويراد به غيره وفي : ولا تكن للخائنين خصيماً فإنه ﷺ محروس بالعصمة أن يخاصم عن المبطلين.
والتتميم في قوله : وهو معهم للإنكار عليهم والتغليظ لقبح فعلهم لأن حياء الإنسان ممن يصحبه أكثر من حيائه وحده، وأصل المعية في الإجرام، والله تعالى منزه عن ذلك، فهو مع عبده بالعلم والإحاطة.
وإطلاق وصف الإجرام على المعاني فقد احتمل بهتاناً.
والحذف في مواضع.


وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
منها الاستعارة في : وإذا ضربتم في الأرض، وفي : فيميلون استعار الميل للحرب.
والتكرار في : جناح ولا جناح لاختلاف متعلقهما، وفي : فلتقم طائفة : ولتأت طائفة، وفي : الحذر والأسلحة، وفي : الصلاة، وفي : تألمون، وفي : اسم الله.
والتجنيس المغاير في : فيميلون ميلة، وفي : كفروا إن الكافرين، وفي : تختانون وخواناً، وفي : يستغفروا غفوراً.
والتجنيس المماثل في : فأقمت فلتقم، وفي : لم يصلوا فليصلوا، وفي : يستخفون ولا يستخفون، وفي : جادلتم فمن يجادل، وفي : يكسب ويكسب، وفي : يضلوك وما يضلون، وفي : وعلمك وتعلم.
قيل : والعام يراد به الخاص في : فإذا قضيتم الصلاة ظاهره العموم، وأجمعوا على أن المراد بها صلاة الخوف خاصة، لأن السياق يدل على ذلك، ولذلك كانت أل فيه للعهد انتهى.
وإذا كانت أل للعهد فليس من باب العام المراد به الخاص، لأن أل للعموم وأل للعهد فهما قسيمان، فإذا استعمل لأحد القسيمين فليس موضوعاً للآخر.
والإبهام في قوله : بما أراك الله وفي : ما لم تكن تعلم.
وخطاب عين ويراد به غيره وفي : ولا تكن للخائنين خصيماً فإنه ﷺ محروس بالعصمة أن يخاصم عن المبطلين.
والتتميم في قوله : وهو معهم للإنكار عليهم والتغليظ لقبح فعلهم لأن حياء الإنسان ممن يصحبه أكثر من حيائه وحده، وأصل المعية في الإجرام، والله تعالى منزه عن ذلك، فهو مع عبده بالعلم والإحاطة.
وإطلاق وصف الإجرام على المعاني فقد احتمل بهتاناً.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى