الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿بِآخَرِينَ﴾ : آخرين صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ مِنْ جنسِ ما تقدَّمه تقديرُه : بناسٍ آخرين يعبدون الله، ويجوز أن يكونَ المحذوفُ من غير جنس ما تقدَّمه. قال ابن عطية :" يحتمل أن يكون وعيداً لجميع بني آدم، ويكونُ الآخرون من غير نوعهم، كا رُوي أنه كان ملائكةٌ في الأرض يعبدون الله. وقال الزمخشري :" أو خلقاً آخرين غيرَ الإِنس " وكذلك قال غيرهما. وقد رَدَّ الشيخ هذا الوجه بأنَّ مدلولَ آخر وأخرى وتثنيتَهما وجمعَهما نحو مدلول " غير " إلا أنه خاصُّ بجنسِ ما تقدَّمه، فإذا قلت :" اشتريت فرساً وآخرَ، أو : ثوباً وآخر، أو : جارية وأخرى، أو : جاريتين وأُخْريين، أو جواري وأُخَرَ " لم يكن ذلك كلُه إلا من جنس ما تقدم، حتى لو عنيت " وحماراً آخر " في الامثلة السابقة لم يَجُزْ، وهذا بخلافِ " غير " فإنَّها تكون من جنسِ ما تقدَّم ومِنْ غيرِه، تقول " اشتريت ثوباً وغيره " لو عنيت :" وفرساً غيره " جاز. قال :" وقَلَّ مَنْ يعرف هذا الفرق " وهذا الفرقُ الذي ذكره وَردَّ به على هؤلاء الأكابرِ غيرُ موافَقٍ عليه، لم يستند فيه إلى نَقْل، ولكن قد يُرَدُّ عليهم ذلك من طريق أخرى، وهو أن " آخرين " صفةٌ لموصوف محذوف، والصفةُ لا تقوم مقامَ موصوفِها إلا إذا كانت خاصةً بالموصوف نحو :" مررت بكاتبٍ " أو يدل عليه دليل، وهنا ليست بخاصةٍ، فلا بد وأن تكونَ من جنسِ الأولِ لتحصُلَ بذلك الدلالةُ على الموصوفِ المحذوفِ.