اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
يجُوز في " مَنْ " وجهان :
أظهرهما : أنها شرطيَّة، وجوابُها قوله :" فعند الله "، ولا بد من ضميرٍ مقدَّرٍ في هذا الجواب يعُودُ على اسم الشَّرْطِ ؛ لما تقرر قبل ذلك، والتقدير : فعند الله ثوابُ الدنيا والآخرِة له إن أراده، وهذا تقدير الزَّمَخْشَرِيِّ(١)، قال [ الزمخشري ](٢) " حتَّى يتعلقَّ الجزاءُ بالشَّرْطِ ".
وأوردهُ ابن الخِطِيب(٣) على وَجْه السُّؤال قال :
فإن قيل : كَيْفَ دخلتِ الفاءُ في جواب الشَّرْط، وعنده - تعالى - ثوابُ الدُّنْيَا والآخِرِة، سواءً حصلت هذه الإرادة أم لا.
قلنا : تقدير الكلام : فعند الله ثوابُ الدُّنْيَا والآخِرَة له إن أرَادَهُ، وعلى هذا التَّقْدِير يتعلَّق الجَزَاءُ بالشَّرْط.
وجَوَّز أبو حيَّان - وجعله الظَّاهر - أنَّ الجواب مَحْذُوفٌ، تقديره : من كان يريد ثواب الدُّنيا فلا يَقْتَصِر عليه، وليَطْلُبِ الثَّوابَيْن، فعند الله ثوابُ الدَّارَيْن.
والثاني : أنها موصولةٌ ودخلت الفاءُ في الخَبَر ؛ تشبيهاً له باسم الشَّرْط، ويُبْعِده مُضِيُّ الفِعْلِ بعده، والعائدُ مَحْذُوفٌ ؛ كما تقرَّر تَمْثِيلُه.

فصل


ومعنى الآية : أن هؤلاء الَّذِين يُريدُون بِجِهَادِهم الغَنِيمَة فقط مُخْطِئون(٤) ؛ لأنَّ عند اللَّه [ ثَوَابَ ](٥) الدُّنيا والآخِرَة، فلم اكْتَفَى بطلَبِ ثَوَابِ الدُّنْيا، مع أنه كَانَ كالعَدَمِ بالنِّسْبَة إلى ثَوَاب الآخِرَة، ولو كان عَاقِلاً، لطلب ثواب الآخِرَة ؛ حتى يَحْصُل له ذلك، ويَحْصُل له ثوابُ الدُّنْيَا تَبَعاً.
قال القُرْطُبِيُّ(٦) : من عَمِل بما افْتَرَضَهُ [ اللَّه ](٧) عليه طلباً للآخِرَة، آتاه اللَّه ذلك في الآخِرَة، ومن عمل طَلَباً للدُّنْيَا، آتاه ما كُتِب(٨) له في الدُّنْيَا، وليس لَهُ في الآخِرَة من نَصِيبٍ ؛ لأنه عَمِل لغير اللَّه لقوله - تعالى - :﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ﴾ [هود: ١٦] وهذا على أن يكون المُرَاد بالآية : المُنافِقُون والكُفَّار، ﴿وكان اللَّه سَمِيعاً بَصِيراً﴾ : يسمع كَلاَمهُم أنهم لا يَطْلُبون من الجِهَاد سِوَى الغَنِيمَةِ، ويرى أنَّهم لا يَسْعوْن في الجِهَاد، ولا يَجْتَهِدُون فيه، إلا عِنْد توقُّعِ الفَوْزِ بالغنيمَةِ، وهذا كالزَّجْرِ عن(٩) هَذِه الأعْمَالِ.
١ ينظر: الكشاف ١/٥٧٤..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٥٧..
٤ في ب: يحبطون..
٥ سقط في أ..
٦ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٦٣..
٧ سقط في أ..
٨ في ب: كسب..
٩ في ب: من..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى