تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
قد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى :﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] وقال هاهنا :﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ولا شك أن الله تعالى لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم، يعتقدون أن أمرهم كما راج عند الناس وجَرَت عليهم أحكامُ الشريعة ظاهرا، فكذلك(١) يكون حكمهم يوم القيامة عند الله، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر عنهم تعالى أنهم يوم القيامة يحلفون له : أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده، فقال تعالى :﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ [ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ ](٢)﴾ [المجادلة: ١٨].
وقوله :﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي : هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا وكذلك في يوم القيامة كما قال تعالى :﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ ](٣) وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. [الحديد: ١٣ - ١٥] وقد ورد في الحديث :" من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءي راءي الله به " (٤) وفي حديث آخر :" إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس، ويعدل به إلى النار " عياذًا بالله من ذلك.
وقوله :﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إَلا قَلِيلا ](٥)﴾ هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها ؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمانَ لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها كما روى(٦) ابن مردويه، من طريق عُبَيد الله بن زَحْر، عن خالد بن أبي عِمْران، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال : يكرَه أن يقوم الرجلُ إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة، شديد الفرح، فإنه يناجي الله [ تعالى ](٧) وإن الله أمامه يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو ابن عباس هذه الآية :﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾
وروي من غير هذا الوجه، عن ابن عباس، نحوه.
فقوله تعالى :﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ هذه صفة ظواهرهم، كما قال :﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال :﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ أي : لا إخلاص لهم [ ولا معاملة مع الله بل إنما يشهدون الناس تقية من الناس ومصانعة لهم ](٨) ؛ ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يُرَون غالبًا فيها كصلاة العشاء وقت العَتَمَة، وصلاة الصبح في وقت الغَلَس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال :" أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، معهم حُزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار(٩) " (١٠).
وفي رواية :" والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم(١١) أنه يجد عَرْقًا سمينًا أو مَرْمَاتين حسنتين، لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار " (١٢).
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا محمد - هو بن أبي بكر المقدمي(١٣) - حدثنا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :" من أحْسَنَ الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة، استهان بها ربه عز وجل " (١٤).
وقوله :﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ أي : في صلاتهم لا يخشعُون [ فيها ](١٥) ولا يدرون(١٦) ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون.
وقد روى الإمام مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ﷺ :" تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق : يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشيطان، قام فَنَقَر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ".
وكذا رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث إسماعيل بن جعفر المدني، عن العلاء بن عبد الرحمن، به. وقال الترمذي : حسن صحيح(١٧).
وقوله :﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي : هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا وكذلك في يوم القيامة كما قال تعالى :﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ ](٣) وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. [الحديد: ١٣ - ١٥] وقد ورد في الحديث :" من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءي راءي الله به " (٤) وفي حديث آخر :" إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس، ويعدل به إلى النار " عياذًا بالله من ذلك.
وقوله :﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إَلا قَلِيلا ](٥)﴾ هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة. إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها ؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمانَ لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها كما روى(٦) ابن مردويه، من طريق عُبَيد الله بن زَحْر، عن خالد بن أبي عِمْران، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال : يكرَه أن يقوم الرجلُ إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة، شديد الفرح، فإنه يناجي الله [ تعالى ](٧) وإن الله أمامه يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو ابن عباس هذه الآية :﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾
وروي من غير هذا الوجه، عن ابن عباس، نحوه.
فقوله تعالى :﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ هذه صفة ظواهرهم، كما قال :﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال :﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ أي : لا إخلاص لهم [ ولا معاملة مع الله بل إنما يشهدون الناس تقية من الناس ومصانعة لهم ](٨) ؛ ولهذا يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يُرَون غالبًا فيها كصلاة العشاء وقت العَتَمَة، وصلاة الصبح في وقت الغَلَس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال :" أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، معهم حُزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار(٩) " (١٠).
وفي رواية :" والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم(١١) أنه يجد عَرْقًا سمينًا أو مَرْمَاتين حسنتين، لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار " (١٢).
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا محمد - هو بن أبي بكر المقدمي(١٣) - حدثنا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :" من أحْسَنَ الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة، استهان بها ربه عز وجل " (١٤).
وقوله :﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ أي : في صلاتهم لا يخشعُون [ فيها ](١٥) ولا يدرون(١٦) ما يقولون، بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون.
وقد روى الإمام مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ﷺ :" تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق : يجلس يَرْقُب الشمس، حتى إذا كانت بين قَرْنَي الشيطان، قام فَنَقَر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ".
وكذا رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، من حديث إسماعيل بن جعفر المدني، عن العلاء بن عبد الرحمن، به. وقال الترمذي : حسن صحيح(١٧).
١ في ر: "فلذلك"..
٢ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٣ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى قوله"..
٤ صحيح البخاري برقم (٦٤٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٧)..
٥ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٦ في أ: "رواه"..
٧ زيادة من أ..
٨ زيادة من ر، أ..
٩ في ر: "في النار"..
١٠ صحيح البخاري برقم (٦٥٧) وصحيح مسلم برقم (٦٥١)..
١١ في أ: "لو يعلم أحدكم"..
١٢ رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٤)..
١٣ في أ: "محمد بن أبي بكر المقدسي"..
١٤ مسند أبو يعلى (٩/٥٤) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/٢٩٠) من طريق زائدة عن إبراهيم الهجري به. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٢١): "فيه إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف"..
١٥ زيادة من د..
١٦ في د، ر، أ: "ولا يتدبرون"..
١٧ الموطأ (١/٢٢٠) وصحيح مسلم برقم (٦٢٢) وسنن أبي داود برقم (٤١٢) وسنن الترمذي برقم (١٦٠) وسنن النسائي (١/٢٥٤)..
٢ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٣ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى قوله"..
٤ صحيح البخاري برقم (٦٤٩٩) وصحيح مسلم برقم (٢٧٨٧)..
٥ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٦ في أ: "رواه"..
٧ زيادة من أ..
٨ زيادة من ر، أ..
٩ في ر: "في النار"..
١٠ صحيح البخاري برقم (٦٥٧) وصحيح مسلم برقم (٦٥١)..
١١ في أ: "لو يعلم أحدكم"..
١٢ رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٤)..
١٣ في أ: "محمد بن أبي بكر المقدسي"..
١٤ مسند أبو يعلى (٩/٥٤) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/٢٩٠) من طريق زائدة عن إبراهيم الهجري به. قال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٢١): "فيه إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف"..
١٥ زيادة من د..
١٦ في د، ر، أ: "ولا يتدبرون"..
١٧ الموطأ (١/٢٢٠) وصحيح مسلم برقم (٦٢٢) وسنن أبي داود برقم (٤١٢) وسنن الترمذي برقم (١٦٠) وسنن النسائي (١/٢٥٤)..