اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لما ذَمَّ المُنَافِقِين بأنَّهُم لم يَسْتقِرُّوا مع أحَد الطَّريقَين، نَهَى المُسْلِمِين أن يَفْعَلُوا فِعْل المُنَافِقِين ؛ فقال :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾ والسبب فيه :" أن الأنْصَار بالمدينَةِ كانت لَهُمْ [ في قُرَيْظَة ](١) رِضَاع وحِلْفٌ ومَوَدَّة، فقالُوا : يا رسول الله، مَنْ نَتَولَّى ؟ فقال :" المُهَاجِرِين " "، فَنَزَلَتْ هذه الآية(٢).
وقال القَفَّال - رحمه الله تعالى(٣) - : هذا نَهْيٌ للمُسلِمِين عن مُوالاةِ المُنافِقِين، يقول(٤) : قد بَيَّنْتُ لكم أحْوَال هؤلاء المُنَافِقِين ومَذَاهِبهم، فلا تَتَّخِذُوا مِنْهُم أوْلِيَاء.
ثم قال :﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾، [ فإن حَمَلْنَاه على الأوَّلِ وهو نَهْي المُؤمنين عن مُوالاَةِ الكُفَّارِ، كان المَعْنَى : أتُرِيدُونَ أن تَجْعَلُوا للَّه عليكم سُلْطَاناً مُبِيناً ](٥) على كَوْنِكُم مُنَافِقِين، المُرَاد أتُرِيدُون أن تجعلُوا لأهْلِ دين اللَّه وهم الرَّسُول وأمته، وإن حَملْناهُ على المُنَافِقِين، كان المَعْنَى : أتريدُون أن تَجْعَلُوا للَّه عليكم في عقَابِكُم حُجَّة ؛ بِسببِ مُوالاتِكُم مع المُنافِقِين.
قوله :" سُلْطَاناً " : السلطان يُذكَّرُ ويؤنث، فتذكيرُه باعتبار البرهان، وتأنيثه باعتبار الحُجَّة، إلا أن التأنيثَ أكثرُ عند الفُصَحاء، كذا قاله الفرَّاء، وحكى :" قَضت عليْكَ السُّلطَانُ " و " أخذتْ فلاناً السُّلْطَانُ " وعلى هذا فكيف ذُكِّرت صفته، فقيل : مبيناً دون : مبينة ؟ والجوابُ : أن الصفة هنا رأسُ فاصلة، فلذلك عدلَ إلى التذكير، دون التأنيث، وقال ابن عطية ما يخالِفُ ما حكاه الفراء ؛ فإنه قال :" والتذكيرُ أشهرُ، وهي لغةُ القرآنِ ؛ حيث وقع ". و " عَلَيْكُمْ " يجوزُ تعلُّقه بالجَعْلِ، أو بمحذوفٍ على أنه حال من " سُلْطَاناً " لأنه صفة له في الأصل، وقد تقدَّم نظيره.
١ سقط في ب..
٢ تقدم..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٦٩..
٤ في ب: تقول..
٥ سقط في ب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى