محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما١٤٨ ).
( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ) أي : لا يحب الله تعالى أن يجهر أحد بالقبيح من القول ( إلا من ظلم ) إلا جهر المظلوم بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره بما فيه من السوء. فإن ذلك غير مسخوط عنده سبحانه، حتى يجيب دعاءه. ومعلوم أن أنواع الظلم كثيرة. فما نقل عن السلف هنا من ذكر نوع منه، فليس المراد حصر معنى الآية فيه. بل القصد تنبيه المستمع على النوع. فمن ذلك ما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس في(١) الآية، يقول :" لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما. فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه ". وذلك قوله :( إلا من ظلم ) وإن صبر فهو خير له. ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق وابن اسحاق وهناد بن السري عن مجاهد قال :" هي في رجل أضاف رجلا فأساء قراه، فتحول عنه. فجعل يثني عليه بما أولاه. فرخص له أن يثني عليه بما أولاه. –وفي رواية عنه- هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فيخرج فيقول : أساء ضيافتي ولم يحسن –وفي رواية- هو الضيف المحول رحله. فإنه يجهر لصاحبه من القول ".
قال ابن كثير : وقد روى الجماعة ( سوى النسائي والترمذي ) (٢) عن عقبة بن عامر قال :" قلنا : يا رسول الله ! انك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى ؟ فقال لنا رسول الله ﷺ : إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا. فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم ". وروى الإمام أحمد(٣)عن المقدام بن أبي كريمة عن النبي ﷺ أنه قال :" أيما مسلم ضاف قوما فأصبح الضيف محروما، فإن حقا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله ". وروى هو وأبو داود(٤) عنه أيضا. سمع رسول الله ﷺ يقول :" ليلة الضيف واجبة على كل مسلم. فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه. فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه ". ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة، أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال :" أن لي جارا يؤذيني. فقال له : أخرج متاعك فضعه على الطريق. فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق. فكل من مر به قال : ما لك ؟ قال جاري يؤذيني. فيقول : اللهم ! العنه. اللهم ! اخزه. قال فقال الرجل : ارجع إلى منزلك. والله ! لا أوذيك أبدا ". ورواه أبو داود(٥) في كتاب الأدب.
وقال عبد الكريم بن مالك الجزري، في هذه الآية : هو الرجل يشتمك فتشتمه. ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه. لقوله تعالى :( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) (٦). وقال قطرب : معنى الآية : إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول، من كفر أو نحوه. فهو مباح له. وسئل المرتضى عنها فقال : لا يحب الله ذلك ولا يجيزه لفاعله. إلا من ظلم. وذلك مثل ما كان من مردة قريش وفعلهم بأصحاب رسول الله ﷺ، من العقاب والضرب، ليشتموا رسول الله ﷺ ويتبرؤوا منه. ففعل ذلك عمار. فخلوه وصلبوا صاحبه. فأطلق لمن فعل به هكذا أن يتكلم بما ليس في قلبه. وفي عمار وصاحبه نزل قول الله(٧) في سورة النحل :( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ). فكانت هذه الآية مبينة لما في قلب عمار من شحنه بالإيمان. انتهى.
وكل هذا مما تشمله الآية بعمومها. وما نقله السمرقندي وغيره عن الفراء في قوله تعالى :( إلا من ظلم ) أن ( إلا ) بمعنى ( لا ) يعني : ولا من ظلم – فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه : فإن الآية صريحة في أنه يجوز للمظلوم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه. ويؤيده الحديث الذي رواه الإمام أحمد(٨) وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم، عن الشريد بن سويد عن رسول الله ﷺ أنه قال(٩) :" لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ". وأما من لم يظلم فجهره بالسوء داخل في الغيبة المحظورة.
فوائد
قال بعض مفسري الزيدية، أفادت الآية جواز الجهر بالدعاء على الظالم والجهر بمساويه. ودلت على أن من جهر بكلمة الكفر مكرها، لم يكفر. لأنه مظلوم. وإذا ثبت بطلان حكم لفظ ( الكفر ) مع الظلم، فكذا يلزم في سائر الأحكام من البيع والعتاق والطلاق والإقرار. ثم قال : والمحبة ههنا بمعنى الإباحة. لا أن ذلك يريده الله تعالى.
أقول : هذه نزغة اعتزالية.
ثم قال : وتسميته سوءا، لكونه يسوء المقول فيه. وإلا فليس بقبيح في هذه الحال.
ثم قال : وقول من قال ( إلا ) هنا بمعنى ( الواو ) أي : ومن ظلم، مثل :
وكل أخ مفارقه أخوهلعمر أبيك إلا الفرقدان
فخلاف الظاهر. انتهى.
وقد نقل في معنى هذه الآية حكم ونوادر بديعة. قال الشعبي : يعجبني الرجل إذا سيم هونا، دعته الأنفة إلى المكافأة. وجزاء سيئة سيئة مثلها، فبلغ كلامه الحجاج فقال : لله دره ! أي رجل بين جنبيه ! وتمثل :
ولا خير في عرض امرئ لا يصونهولا خير في حلم امرئ ذل جانبه
وقال أعرابي لابن عباس رضي الله عنهما :" أتخاف علي جناحا إن ظلمني رجل فظلمته ؟ فقال له : العفو أقرب للتقوى. فقال :( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) ".
وقال المتنبي(١٠) :
من الحلم أن تستعمل الجهل دونهإذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
لطيفة :
الاستثناء في قوله تعالى :( إلا من ظلم ) إما متصل أو منقطع. فعلى الأول فيه وجهان :
الأول : قول أبي عبيدة : هذا من باب حذف المضاف، أي : إلا جهر من ظلم. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والثاني : قول الزجاج : المصدر ههنا بمعنى الفاعل. أي : لا يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم. وعلى أنه منقطع، فالمعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته. / وقوله تعالى :( وكان الله سميعا عليما ) فيه وعد للمظلوم بأنه تعالى يسمع شكواه ودعاءه ويعلم ظلم ظالمه. كما قال تعالى :( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ) (١١). ووعيد له أيضا بأن يتعدى في الجهر المأذون فيه. بل ليقل الحق ولا يقذف بريئا بسوء فإنه يصير عاصيا لله بذلك.
١ تفسير الطبري، الأثر رقم ١٠٧٤٩..
٢ أخرجه البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ٨٥ –باب اكرام الضيف وخدمته اياه بنفسه، حديث ١٢١٣..
٣ أخرجه في المسند بالصفحة ٤٥٤ من الجزء الأول (طبعة الحلبي)..
٤ أخرجه في المسند بالصفحة ١٣٠ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
٥ أخرجه أبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٢٣ –باب في حق الجوار، حديث ٥١٥٣..
٦ |٤٢| الشورى/ ٤١|..
٧ |١٦/ النحل/ ١٠٦|..
٨ أخرجه في المسند بالصفحة ٢٢٢ من الجزء الرابع (طبعة الحلبي)..
٩ أخرجه البخاري في: ٤٣ –كتاب الاستقراض، ١٣ –باب لصاحب الحق مقال..
١٠ من قصيدة مطلعها:
أنا لائمي ان كنت وقت اللوائم علمت بما بي بين تلك المعالم
قال البرقوقي شارح الديوان:
الحلم: الأناة والعقل. والجهل هنا نقيض الحلم. والمظالم جمع المظلمة (بكسر اللام) وهي الظلم. يقول: اذا كان حلمك داعيا الى ظلمك فان من الحلم أن تجهل. لأن الحلم انما يلجأ اليه لتدارك الشر. فاذا تفاقم الشر، ولم يتدارك الشر الا بالجهل، كان الجهل حلما:
فلا خير في حلم اذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
وهذا معنى قديم تداوله الشعراء وغر الشعراء..

١١ |١٤/ ابراهيم/ ٤٢| (... انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار٤٢)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى