الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما : أنه معطوف على " ما " في قوله :﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ فيكونُ متعلقاً بما تعلق به الأول. الثاني : أنه عطفٌ على " بكفرهم " الذي بعد " طبع " وقد أوضح الزمخشري ذلك غايةَ الإِيضاح، واعترض وأجابَ بأحسنِ جواب، فقال :" فإنْ قلت : علامَ عَطَفَ قولَه " وبكفرهم " ؟ قلت : الوجهُ أن يُعْطَفَ على " فبما نقضِهم " ويُجْعَلَ قولُه :" ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ كلاماً يَتْبع قوله :﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ على وجهِ الاستطراد، ويجوز عطفُه على ما يله من قوله " بكفرِهم " فإنْ قلت : فما معنى المجيءِ بالكفر معطوفاً على ما فيه ذِكْرُه ؟ سواءً عطف على ما قبل الإِضراب، أو على ما بعده، وهو قوله :﴿وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللَّهِ﴾ وقوله " بكفرهم " قلت : قد تكرر منهم الكفر ؛ لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمدٍ، فعطف بعضَ كفرِهم على بعض، أو عَطَف مجموعَ المطعوفِ على مجموعِ المعطوف عليه، كأنه قيل : فبجمعهم بين نقضِ الميثاقِ، والكفر بآيات الله، وقتلِ الأنبياء، وقولِهم : قلوبنا غلف، وجمعِهم بين كفرهم وبُهْتِهِم مريمَ وافتخارِهم بقتل عيسى عاقبناهم، أو بل طبع الله عليها بكفرِهم وجمعِهم بين كفرهم كذا وكذا ".
قوله :﴿بُهْتَاناً﴾ في نصبِه خمسةُ أوجه، أظهرُها : أنه مفعول به، فإنه مُضَمَّنٌ معنى " كلام " نحو : قلت خطبة وشعراً. الثاني : أنه منصوبٌ على نوع المصدر كقولهم :" قَعَد القرفصاء " يعني أن القول يكون بُهتاناً وغيرَ بهتان. الثالث : أن ينتصبَ نعتاً لمصدر محذوف أي : قولاً بُهتاناً، وهو قريبُ من معنى الأول الرابع : أنه منصوبٌ بفعل مقدرٍ من لفظه أي : بَهَتوا بُهْتاناً. الخامس : أنه حال من الضمير المجرور في قولهم أي : مباهتين، وجازَ مجيء الحال من المضاف إليه لأنه فاعل معنًى، والتقدير : وبأن قالوا ذلك مباهتين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى