اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :[ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقولِهِمْ عَلَى مَرْيم﴾ ] " بُهْتَاناً [ عظيماً ] " في نصب [ " بُهْتَاناً " ] خمسةُ أوجه :
أظهرُها : أنه مفعولٌ به ؛ فإنه مُضَمَّنٌ معنى " كَلاَم " ؛ نحو : قُلْتُ خُطْبَةٌ وشِعْراً.
الثاني : أنه منصوبٌ على نوع المصدر، كقولهم :" قَعَدَ القُرْفُصَاءَ " يعني : أن القول يكون بُهتاناً وغير بهتان.
الثالث : أن ينتصبَ نعتاً لمصدر محذوف، أي : قولاً بُهْتَاناً، وهو قريبٌ من معنى الأول.
الرابع : أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ من لفظه، أي : بَهَتُوا بُهْتَاناً.
الخامس : أنه حال من الضميرِ المجْرور في قولهم، أي : مُبَاهِتينَ، وجازَ مجيءُ الحال من المضاف إليه ؛ لأنه فاعلٌ معنًى، والتقديرُ : وبأن قالوا ذلك مباهتين.

فصل في المقصود بالبهتان


والمراد بالبُهْتَانِ : أنَّهُم رموا مَرْيَم بالزِّنَا، لأنَّهم أنكَرُوا قُدْرَة الله - تعالى - على خَلْقِ الوَلَدِ من غير أبٍ، ومُنْكِرُ قُدْرَةِ الله على ذلك كَافِرٌ ؛ لأنه يَلْزَمُ أن يقُول : كُلُّ ولَدٍ مَسْبُوقٍ بوَالِدٍ لا إلى أوَّل، وذَلِك يُوجِبُ القَوْل بِقِدَم العَالَمِ والدَّهْرِ، والقَدْحُ في وجُود الصَّانِعِ المُخْتَار، فالقَوْمُ أولاً أنكَرُوا قُدْرَة الله - تعالى - علَى خَلْقِ الوَلَدِ من غَيْر أبٍ، وثانياً : نَسَبُوا مَرْيَم إلى الزِّنَا.
فالمراد بقوله :" وَبِكُفْرِهِم " هو إنْكَارُهُم قُدْرَة الله - تعالى -، وبقوله :﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ نِسْبَتُهُم إيّاهَا إلى الزِّنَا، ولمَّا حَصَل التغَيُّر(١) حسن العَطْف، وإنما صار هذا الطَّعْنُ بُهْتاناً عَظِيماً ؛ لأنه ظَهَر عند ولادَةَ عِيسَى - عليه السلام(٢) - [ من ](٣) الكَرَامَاتِ والمُعْجِزَاتِ، ما دَلَّ على بَرَاءَتِها(٤) من كُلِّ عَيْبٍ، نحو قوله :﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] وكلام عيسى – [ عليه السلام ](٥) – طفْلاً مُنْفصِلاً عن أمِّهِ، فإنَّ كُلَّ ذلك دَلاَئِل قاطِعَةٌ على بَراءة مَرْيَم - [ عليها السلام ](٦) - من كل رِيبَةٍ، فلا جَرَم وَصَف اللَّهُ - [ تعالى ](٧) - [ طَعْنَ ](٨) اليهُود فيها بأنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.
واعلم أنَّه لما وَصَفَ طَعْن اليَهُود في مَرْيم بأنَّه بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، ووصَفَ طَعْن المُنَافِقِين في عَائِشَةَ بأنَّهُ بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، حَيْثُ قال :﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] ؛ دلَّ ذلك على أنَّ الرَّوَافِضَ الَّذِين يَطْعَنُون في عَائِشَةَ، بمَنْزِلَة اليَهُودِ الَّذِين يَطْعَنُون في مَرْيم – عليها السلام -.
١ في ب: التغاير..
٢ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٣ سقط في ب..
٤ في أ: برائها..
٥ سقط في أ..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في ب..
٨ سقط في أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى