البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿فبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً﴾ الظاهر في قوله : وبكفرهم، وقولهم أنه معطوف على قوله : فبما نقضهم وما بعده.
على أن الزمخشري أجاز أن يكون قوله : وبكفرهم وقولهم، معطوفاً على بكفرهم.
وتكرار نسبة الكفر إليهم بحسب متعلقاته، إذ كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد عليه السلام، فعطف بعض كفرهم على بعض.
قال الزمخشري : أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه، كأنه قيل : فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله وقتلهم الأنبياء وقولهم :﴿قلوبنا غلف﴾، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم، وافتخارهم بقتل عيسى عليه السلام، عاقبناهم.
أو بل طبع الله عليها وجمعهم بين كفرهم، وكذا وكذا.
وقال الزمخشري أيضاً :( فإن قلت ) : هلا زعمت أنّ المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله : بل طبع الله عليها بكفرهم ؟ ( قلت ) : لم يصح هذا التقدير، لأن قوله : بل طبع الله عليها بكفرهم، ردّ وإنكار لقولهم : قلوبنا غلف، فكان متعلقاً به انتهى.
وهو جواب حسن، ويمتنع من وجه آخر وهو أنّ العطف ببل يكون للإضراب عن الحكم الأول، وإثباته للثاني على جهة إبطال الأول، أو الانتقال عاماً في كتاب الله في الإخبار، فلا يكون إلا للانتقال.
ويستفاد من الجملة الثانية ما لا يستفاد من الجملة الأولى.
والذي قدّره الزمخشري لا يسوغ فيه هذا الذي قرّرناه، لأن قوله : فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وقولهم : قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم، فأفادت الجملة الثانية ما أفادت الجملة الأولى وهو لا يجوز.
لو قلت : مر زيد بعمرو، بل مر زيد بعمرو، لم يجز.
وقد أجاز ذلك أبو البقاء وهو أن يكون التقدير : فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وكذا طبع على قلوبهم.
وقيل : التقدير فبما نقضهم ميثاقهم لا يؤمنون إلا قليلاً، والفاء مقحمة.
وما في قوله : فبما نقضهم كهي في قوله :﴿فبما رحمة﴾ وتقدّم الكلام فيها.
والبهتان العظيم رميهم مريم عليها السلام بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى عليه السلام في المهد.
قال ابن عطية : وإلا فلولا الآية لكانوا في قولهم جارين على حكم البشر في إنكار حمل من غير ذكر انتهى.
ووصف بالعظم لأنهم تمادوا عليه بعد ظهور الآية وقيام المعجزة بالبراءة، وقد جاءت تسمية الرمي بذلك بهتاناً عظيماً في قوله :﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قيل : وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبديع.
فمنها التجنيس المغاير في : يخادعون وخادعهم، وشكرتم وشاكراً.
والمماثل في : وإذا قاموا.
والتكرار في : اسم الله، وفي : هؤلاء وهؤلاء، وفي : ويرون ويريدون، وفي : الكافرين والكافرين، وفي : أهل الكتاب وكتاباً، وفي : بميثاقهم وميثاقاً.
والطباق في : الكافرين والمؤمنين، وفي : إن تبدوا أو تخفوه، وفي : نؤمن ونكفر، والاختصاص في : إلى الصلاة، وفي : الدرك الأسفل، وفي : الجهر بالسوء.
والإشارة في مواضع.
الاستعارة في : يخادعون الله وهو خادعهم استعار اسم الخداع للمجازاة وفي : سبيلاً، وفي سلطاناً لقيام الحجة والدرك الأسفل لانخفاض طبقاتهم في النار، واعتصموا للالتجاء، وفي : أن يفرقوا، وفي : ولم يفرّقوا وهو حقيقة في الأجسام استعير للمعاني، وفي : سلطاناً استعير للحجة، وفي : غلف وبل طبع الله.
وزيادة الحرف لمعنى في : فبما نقضهم، وإسناد الفعل إلى غير فاعله في : فأخذتهم الصاعقة وجاءتهم البينات وإلى الراضي به وفي : وقتلهم الأنبياء، وفي : وقولهم على مريم بهتاناً وقولهم إنا قتلنا المسيح.
وحسن النسق في : فبما نقضهم ميثاقهم والمعاطيف عليه حيث نسقت بالواو التي تدل على الجميع فقط.
وبين هذه الأشياء أعصار متباعدة فشرك أوائلهم وأواخرهم لعمل أولئك ورضا هؤلاء.
وإطلاق اسم كل على بعض وفي : كفرهم بآيات الله وهو القرآن والإنجيل ولم يكفروا بشيء من الكتب إلا بهما وفي قولهم إنا قتلنا ولم يقل ذلك إلا بعضهم.
والتعريض في رسول الله إذا قلنا أنه من كلامهم.
والتوجيه في غلف من احتمال المصدر جمع غلاف أو جمع أغلف.
وعود الضمير على غير مذكور وهو في ليؤمنن به قبل موته على من جعلهما لغير عيسى.
والنقل من صيغة فاعل إلى فعيل في شهيد.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى