اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله عز وجل(١) :﴿يأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾.
لمَّا أجابَ عن شُبَهَاتِ اليَهُودِ، تكلَّم بعد ذَلِك مع النَّصَارَى، والتَّقْدِير : يا أهل الكتابِ من النَّصَارَى لا [ تغلُوا في دينكم ](٢)، أي : تُفْرطوا في تَعْظِيم المَسيحِ، والغُلُوُّ : تجاوُز الحدِّ، ومنه : غلْوَة السَّهْم، وغَلاَء السِّعْرِ.
واعلم أنه - تعالى - حَكَى عن اليَهُودِ مُبَالَغَتَهُم في الطَّعْنِ في المَسِيحِ، وهنا حَكَى عن النَّصَارَى مُبَالَغَتَهُم(٣) في تعظِيمِه، وهم أصْنَاف اليَعْقُوبِيَّة، والملْكَانِيَّةَ، والنَّسْطُورِيَّة والمُرْقُسِيَّة.
فقالت اليَعْقُوبيَّة : عِيسَى هو اللَّه، وكَذَلِك الملْكَانِيَّة.
وقالت النَّسْطُوريَّة : عيسى ابْنُ اللَّهِ.
وقالت المرقسيّة : ثَالِثُ ثلاثةٍ، فأنْزَل الله هذه الآية.
ويُقالُ : إن المْلكانِيَّة تقُولُ : عيسَى هُو اللَّهُ، واليَعْقُوبِيَّة يقُولُون : ابْنُ الله، والنَّسْطُوريَّة يقُولُون :[ ثَالِث ](٤) ثلاثة عليهم رَجُلٌ من اليَهُود يُقَال لَهُ : بُولُص، وسيأتِي في سُورةِ التَّوْبَةِ - إن شاء الله تعالى -.
وقال الحسن : يَجُوزُ أن تكُون نزلت في اليَهُود والنَّصَارَى ؛ فإنهم جَمِيعاً غَلَواْ في أمْرِ عيسى - عليه السلام - فاليَهُود بالتَّقْصِير، والنَّصَارى بمُجَاوَزَةِ الحدّ، وهو في الدِّين حَرَامٌ.
﴿وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ وتَصِفُوا اللَّهَ بالحُلُولِ والاتَّحَادِ في بدَنِ الإنْسَانِ أوْ رُوحِهِ.
وقيل : لا تَقُولُوا إنَّ لَهُ شَرِيكاً أوْ وَلْداً، ونزِّهُوهُ عن هَذِه الأحْوَالِ.
قوله :" إلاَّ الحَقَّ " هذا استثناء مُفَرَّغٌ، وفي نصبه وجهان :
أحدهما : أنه مفعول به ؛ لأنه تضمَّن معنى القول ؛ نحو :" قُلْتُ خُطْبَةً ".
والثاني : أنه نعتُ مصدر محذوف، أي : إلا القولَ الحَقَّ، وهو قريب في المعنى من الأوَّل.
قوله [ - سبحانه - ](٥) :﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾.
قرأ جعفر بن محمَّد(٦) :" المِسِّيح " بوزن " السِّكِّيت " ؛ كأنه جعله مثال مبالغة ؛ نحو :" شِرِّيب العَسَل "، و " المسيح " مبتدأ بعد " إنَّ " المكفوفة، و " عِيسَى " بدلٌ منه، أو عطف بيان، و " ابنُ مَرْيَمَ " صفته و " رَسُولُ الله " خبر المبتدأ، و " كَلِمَتُهُ " عطف عليه.
و " ألْقَاها " جملةٌ ماضية في موضع الحال، و " قَدْ " معها مقدرةٌ، وفي عاملِ الحال ثلاثةُ أوجه نَقَلها أبو البقاء(٧) :
أحدها : أنه معنى " كَلِمة " ؛ لأنَّ معنى وصْفِ عيسى بالكلمة : المُكَوَّنُ بالكلمة من غير أبٍ، فكأنه قال : وَمَنْشَؤُهُ ومُبْتَدَعُهُ.
والثاني : أن يكون التقدير : إذ كان ألقاها، ف " إذْ " ظرفُ زمانٍ مستقبل، و " كان " تامَّة، وفاعلها ضمير الله تعالى، و " ألقاها " حالٌ من ذلك الفاعل، وهو كقولهم :" ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً ".
والثالث : أن يكون حالاً من الهاء المجرورة، والعاملُ فيها معنى الإضافة، تقديره : وكلمةُ اللَّهِ مُلْقياً إيَّاهاَ. انتهى. أمَّا جعله العامل معنى " كلمة " فصحيحٌ، لكنه لم يبين في هذا الوجه من هو صاحبُ الحال ؟ وصاحبُ الحال الضميرُ المستتر في كَلِمَتُهُ " العائدُ على عيسى ؛ لما تضمَّنَتْهُ من معنى المشتقِّ ؛ نحو :" مُنْشَأ ومُبْتَدَع "، وأمَّا جعلُهُ العاملَ معنى الإضافة، فشيءٌ ضعيفٌ، ذهب إليه بعض النحويِّين، وأمَّا تقديرُه الآية بمثل " ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً "، ففاسدٌ من حيث المعنى، والله أعلم.

فصل في تفسير الكلمة


قد تقدَّم في تَفْسِير " الكَلِمَةِ " في قوله :﴿يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥]، والمعْنَى : أنَّهُ وُجِدَ بكَلِمَةِ اللَّهِ وأمْرِه، من غَيْرَ وَاسِطَة [ أب ](٨) ولا نُطْفَة ؛ لقوله [ تعالى ](٩) :﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن [ فَيَكُونُ ]﴾(١٠)
[آل عمران: ٥٩].
قوله تعالى ﴿وَرُوحٌ﴾ عطفٌ على " كَلِمَة "، و " مِنْهُ " صفة ل " رُوح "، و " مِنْ " لابتداء الغاية مجازاً، وليست تبعيضيَّةً، ومن غريب ما يحكى أن بعض النصارى ناظَرَ عليَّ بْنَ الحُسَيْنِ بن واقدٍ المَرْوزِيَّ، وقال :" في كتاب الله ما يَشهدُ أنَّ عيسى جُزْءٌ مِنَ الله "، وتلا :" وَرُوحٌ مِنْهُ "، فعارضه ابنُ واقدٍ بقوله تعالى :﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، وقال :" يلزمُ أنْ تكونَ تلك الأشياءُ جزءاً من الله تعالى، وهو محالٌ بالاتفاقِ "، فانقطع النصرانيُّ وأسْلم.

فصل


قيل : معنى " رُوحٌ مِنْهُ " [ هي ](١١) رُوحٌ كسَائِرِ الأرْواحِ، وإنَّما أضَافَها الله - تعالى - إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفاً.
وقيل : الرُّوحُ هو النَّفْخُ الذي نَفَخَهُ(١٢) جِبْريل في دِرْعِ مَرْيم - [ عليها السلام ](١٣) - فَحَمَلَتْ بإذْنِ اللَّه، سُمِّي النَّفْخُ " رُوحاً " ؛ لأنَّه ريحٌ يخْرُجُ من الرُّوح، وأضافَهُ إلى نَفْسِهِ ؛ لأنه كان بأمْرِهِ.
والرُّوح والرِّيحُ مُتَقَارِبَانِ، فالرُّوحُ : عِبَارَةٌ عن نَفْخِ جِبْرِيلٍ - عليه السلام -، وقوله :" مِنْهُ " يعني : أنَّ ذلِك النَّفْخَ من جِبْرِيل كان بأمْر الله وإذْنه، فَهُو مِنْهُ ؛ وهكذا قولُه :
﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ(١٤) مِن رُّوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢].
وقيل :" رُوحٌ مِنْهُ " أي : رَحْمَةً مِنْهُ، فكان - عليه السلام - رحْمَة لمن تبعَهُ، وآمَن بِهِ، من قوله - [ تعالى ](١٥) - :﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. أي : برحْمَةٍ مِنْهُ وقال - عليه الصلاة والسلام - :" إنَّما أنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ ".
وقيل : الرُّوحُ الوَحِي، أوْحَى إلى مَرْيَمَ بالبشَارَة، وإلى جِبْرِيلَ بالنَّفْخِ، وإلى عيسى أن كُنْ فكان ؛ كقوله - [ تعالى ](١٦) - :﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ [ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ]﴾(١٧) [النحل: ٢]. يعني : بالوَحْي ؛ وقال - تعالى - في صِفَةِ القُرْآنِ :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
وقيل : أراد بالرُّوحِ : جِبْريل، مَعْنَاهُ : كَلِمتهُ ألْقَاهَا إلى مَرْيَمَ، وألْقَاها - أيضاً - رُوحٌ مِنْهُ بأمْرِهِ، وهو جِبْرِيلُ [ - عليه السلام - ](١٨) ؛ كقوله :﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ [ وَالرُّوحُ فِيهَا ]﴾(١٩)
[القدر: ٤] يعني : جِبْرِيل فيها، وقال :﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم: ١٧] يعني : جِبْرِيل.
وقيل : لما جَرْت عادَةُ النَّاسِ أنَّهُم إذا وَصَفُوا شيئاً بِغَايَة الطَّهارَة والنَّظَافة، قالوا : إنَّه روحٌ، فلما كان عيسَى لَمْ يتكوَّن مِنْ نُطْفَةٍ، وإنما من نَفْخَة جِبْرِيل - عليه السلام - لا جَرَم وُصِفَ بأنَّهُ روحٌ، والمراد من قوله :" مِنْهُ " التَّشْرِيف والتَّفْضِيل ؛ كما يقال : هذه نِعْمَةٌ من الله، أي(٢٠) : تلك النِّعْمَة الكَامِلَة الشَّريفَة(٢١).
وقيل : إنه كان سَبَباً لحياة الخَلْقِ في أدْيَانهم، [ فوُصِفَ أنَّه رُوحٌ ؛ كما وُصِف القُرْآن في قوله :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، سمَّاه رُوحاً ؛ لمَّا كان سَبَباً لحياةِ الخَلْق في أدْيَانِهِم ](٢٢).
وقيل : لما أدْخَل التَّنْكِير في لفظِ " رُوحٌ " أفاد التَّعْظِيم، فكان المَعْنَى : رُوحٌ من الأرْوَاح الشَّريفَة القُدسِيَّة العَالِيَة.
وقوله :" مِنْهُ " أضاف ذلك الرُّوح إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفاً، ثم قال :﴿فآمنوا بالله ورسله﴾ أي : أنَّ عيسَى من رسُلِ اللَّهِ، فآمِنُوا به كإيمَانِكُم بسَائِر الرُّسُل، ولا تَجْعَلُوه إلهاً.
قوله - تعالى - :﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ﴾، أي : لا تَقُولُوا آلهتُنَا ثلاثة، ف " ثَلاَثةٌ " خبر مبتدأ مضمرٍ، والجملةُ من هذا المبتدأ والخبر في محلِّ نصب بالقول، أي : ولا تقولوا :" آلهتنا ثلاثةٌ " قال الزَّجاج : ويدلُّ عليه قوله بعد ذلك :﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقيل : تقديره : الأقَانِيمُ ثلاثةٌ، أو المعبودُ ثلاثةٌ، وقال الفارسيُّ : تقديره : الله ثالثُ ثلاثةٍ، ثم حُذف المضافُ، وأقيمَ المضافُ إليه مقامَهُ، يريدُ بذلك موافقةَ قوله :﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
قال الفرَّاء : تقديره : ولا تقُولُوا هم ثلاثة ؛ كقوله :﴿سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] وكانت النَّصارى [ يقُولُون :](٢٣) أبٌ، وابنٌ، ورُوحُ القُدس.

فصل في بيان تفسير النصارى للتثليث


قال القُرْطُبي(٢٤) : فرقُ النَّصارى مجتمعُون على التَّثْلِيثِ، ويقولون : إن الله جوهرٌ واحدٌ، وله ثلاثةُ أقَانِيمَ، فَيَجْعِلُون كُلَّ أقْنُوم إلهاً، ويَعْنون بالأقانِيم : الوُجُود والحياة والعِلْم، وربما يُعَبِّرون [ عن ](٢٥) الأقانِيمِ بالأبِ، والابْنِ، وروح القُدُس، فَيَعْنُونَ بالأبِ الوُجُود، وبالرُّوح الحياة، وبالابْن المسيح، في كلامٍ لهم فيه تَخْبِيطٌ.
ومحصول كلامهم يَئُولُ إلى التَّمَسُّكِ بأنَّ عيسَى إلهٌ ؛ بما كان يُجْرِي اللَّه على يَديه من خَوَارِق العَادَاتِ على حَسَبِ دواعِيه وإرادَتِهِ.
قالوا : قد عَلِمْنَا خروجَ هذه الأمُورِ من مَقْدُور البَشَرِ، فينْبَغِي أن يكون المُقْتَدِر عليها مَوْصُوفٌ بالإلهيّة.
فيقال لَهُم : لو كان ذَلِك من مَقْدُوراتِهِ وكان مسْتَقِلاًّ به، كان تَخْليصُ نفسه من أعْدَائِه، ودفع شرِّهم عَنْهُ من مقدُورَاتِهِ، وليس كذلك ؛ فإن اعْتَرَفُوا بذلك سَقَطَ اسْتِدْلالهم وقولهم : إنه كان يَفْعَلُهَا، وإن لَمْ يُسَلِّموا فلا حُجَّة لهم - أيضاً - ؛ لأنَّهم معَارضُون بمُوسى - عليه السلام -، وما كان يُجْري الله - تعالى - على يديه من الأمور العِظَامِ ؛ كفلق البَحْر، وقَلْبِ العَصَا ثُعْباناً، واليد البَيْضَاء، وضَرْب الحَجَر فانْفَجَرَت مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَة عَيْناً، وإنْزال المنِّ والسَّلْوَى وغير ذَلِك، وكَذَلِك ما جَرَى على أيْدِي الأنْبِيَاء - عليهم الصلاة والسلام -، فإن أنْكَرُوا ذَلِك، فيُنكَر ما يدَّعُونَهُ في ظُهُورِه على يَدٍ عيسى - عليه السلام -، ولا يُمْكِنُهم إثْبَات شَيْءٍ من ذلك [ لعيسى ؛ ف
١ في ب: قوله تعالى..
٢ سقط في أ..
٣ في ب: مبالغة..
٤ سقط في أ..
٥ سقط في ب..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤١٧، والدر المصون ٢/٤٦٩..
٧ ينظر: الإملاء ١/٢٠٤..
٨ سقط في أ..
٩ سقط في أ..
١٠ سقط في ب..
١١ سقط في أ..
١٢ في أ: نفخ..
١٣ سقط في ب..
١٤ في ب: فيها..
١٥ سقط في أ..
١٦ سقط في أ..
١٧ سقط في أ..
١٨ سقط في ب..
١٩ سقط في ب..
٢٠ في أ: إلى..
٢١ في ب: كامله شريفة..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ سقط في أ..
٢٤ ينظر: تفسير القرطبي ٦/١٧..
٢٥ سقط في أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى