تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إل مريم وروح منه﴾.
استئناف ابتدائي بخطاب موجّه إلى النصارى خاصّة. وخوطبوا بعنوان أهل الكتاب تعريضاً بأنَّهم خالفوا كتابهم. وقرينةُ أنَّهم المراد هي قوله :﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾ إلى قوله :﴿أن يكون عبداً لله﴾ [النساء: ١٧٢] فإنّه بيان للمراد من إجمال قوله :﴿لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ﴾ وابتدئت موعظتهم بالنّهي عن الغلوّ لأنّ النّصارى غلَوا في تعظيم عيسى فادّعوا له بنوّة الله، وجعلوه ثالث الآلهة.
والغلوّ : تجاوز الحدّ المألوف، مشتقّ من غَلْوَة السهم، وهي منتهى اندفاعه، واستُعير للزيادة على المطلوب من المعقول، أو المشْرُوع في المعتقدات، والإدراكات، والأفعال. والغلوّ في الدّين أن يُظهر المتديّن ما يفوت الحدّ الّذي حدّد له الدينُ. ونهاهم عن الغلوّ لأنَّه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصّادقين. وغلّو أهل الكتاب تجاوزُهم الحدّ الذي طلبه دينهم منهم : فاليهود طولبوا باتّباع التّوراة ومحبّة رسولهم، فتجاوزوه إلى بِغضة الرسل كعيسى ومحمدّ عليهما السّلام، والنّصارى طولبوا باتّباع المسيح فتجاوزوا فيه الحدّ إلى دعوى إلهيّته أو كونه ابنَ الله، مع الكفر بمحمدّ ﷺ.
وقوله :﴿ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ﴾ عطف خاصّ على عامّ للاهتمام بالنهي عن الافتراء الشنيع. وفعل القول إذا عدّي بحرف ( على ) دلّ على أنّ نسبة القائل القول إلى المجرور ب ( على ) نسبة كاذبة، قال تعالى :﴿ويقولون على الله الكذب﴾ [آل عمران: ٧٨]. ومعنى القول على الله هنا : أن يقولوا شيئاً يزعمون أنَّه من دينهم، فإنّ الدين من شأنه أن يتلقّى من عند الله.
وقوله :﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم﴾ جملة مبيّنة للحدّ الذي كان الغلوّ عنده، فإنَّه مجمل ؛ ومبيّنة للمراد من قول الحقّ.
ولكونها تتنزّل من الَّتي قبلها منزلة البيان فُصلت عنها. وقد أفادت الجملة قصر المسيح على صفات ثلاث : صفة الرسالة، وصفةِ كونه كلمة الله ألقيت إلى مريم، وصفة كونه روحاً من عند الله. فالقصر قصر موصوف على صفة. والقصد من هذا القصر إبطال ما أحدثه غلوّهم في هذه الصّفات غلوّاً أخرجها عن كنهها ؛ فإنّ هذه الصّفات ثابتة لعيسى، وهم مثبتون لها فلا يُنكر عليهم وصفُ عيسى بها، لكنّهم تجاوزوا الحدّ المحدود لها فجعلوا الرسالة البُنوّة، وجعلوا الكلمة اتِّحادَ حقيقة الإلهيّة بعيسى في بطن مريم فجعلوا عيسى ابناً لله ومريم صاحبة لله سبحانه، وجعلوا معنى الروح على ما به تكوّنت حقيقة المسيح في بطن مريم من نفْس الإلَهية.
والقصر إضافي، وهو قصر إفرادٍ، أي عيسى مقصور على صفة الرسالة والكلمة والروح، لا يتجاوز ذلك إلى ما يُزاد على تلك الصّفات من كون المسيح ابناً لله واتِّحاد الإلهيّة به وكون مريم صاحبة.
ووصف المسيح بأنّه كلمة الله وصف جاء التّعبير به في الأناجيل ؛ ففي صدر إنجيل يوحنا « في البدء كان الكلمةُ، والكلامة كان عند الله، وكان الكلمة الله ثم قال والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا ». وقد حكاه القرآن وأثبته فدلّ على أنّه من الكلمات الإنجيلية، فمعنى ذلك أنّه أثَر كلمة الله. والكلمةُ هي التكوين، وهو المعبّر عنه في الاصطلاح ب ( كُن ). فإطلاق الكلمة على التكوين مجاز، وليس هو بكلمة، ولكنّه تعلّقُ القدرة. ووصف عيسى بذلك لأنَّه لم يكن لتكوينه التّأثيرُ الظاهرُ المعروف في تكوين الأجنّة، فكان حدوثه بتعلّق القدرة، فيكون في ﴿كلمته﴾ في الآية مجازان : مجاز حذف، ومجاز استعارة صار حقيقة عرفيّة.
ومعنى ﴿ألقاها إلى مريم﴾ أوصلها إلى مريم، وروعي في الضمير تأنيث لفظ الكلمة، وإلاّ فإنّ المراد منها عيسى، أو أراد كلمة أمر التكوين. ووصف عيسى بأنّه روح الله وصفٌ وقع في الأناجيل. وقد أقرّه الله هنا، فهو ممّا نزل حقّاً.
ومعنى كون عيسى روحاً من الله أنّ روحه من الأرواح الّتي هي عناصر الحياة، لكنّها نسبت إلى الله لأنَّها وصلت إلى مريم بدون تكوّن في نطفةٍ فبهذا امتاز عن بقيّة الأرواح. ووُصف بأنّه مبتدأ من جانب الله، وقيل : لأنّ عيسى لمّا غلبت على نفسه الملكية وصف بأنّه روح، كأنّ حظوظ الحيوانية مجرّدة عنه. وقيل : الروح النفخة. والعرب تسمّى النفس روحاً والنفخ روحاً. قال ذو الرمّة يذكر لرفيقه أن يوقد ناراً بحطب :
( أي بنفخك ).
وتلقيب عيسى بالروح طفحت به عبارات الأناجيل. و ( مِن ) ابتدائية على التقادير.
فإن قلت : ما حكمة وقوع هذين الوصفين هنا على ما فيهما من شبهة ضلّت بها النّصارى، وهلاّ وصف المسيح في جملة القصر بمثل ما وصف به محمّد ﷺ في قوله تعالى :﴿قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ﴾ [الكهف: ١١٠] فكان أصرح في بيان العبوديّة، وأنفى للضلال.
قلت : الحكمة في ذلك أنّ هذين الوصفين وقعا في كلام الإنجيل، أو في كلام الحواريّين وصفاً لعيسى عليه السّلام، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذٍ، فلمَّا تغيّرت أساليب اللّغات وساء الفهم في إدراك الحقيقة والمجاز تسرّب الضلال إلى النّصارى في سوء وضعهما فأريد التنبيه على ذلك الخطأ في التأويل، أي أنّ قصارى ما وقع لديكم من كلام الأناجيل هو وصف المسيح بكلمة الله وبروح الله، وليس في شيء من ذلك ما يؤدّي إلى اعتقاد أنَّه ابن الله وأنَّه إله.
وتصدير جملة القصر بأنّه ﴿رسول الله﴾ ينادي على وصف العبوديّة إذ لا يُرسل الإله إلهاً مثله، ففيه كفاية من التنبيه على معنى الكلمة والروح.
﴿فآمنوا بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا الله إله واحد سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ ما فِى السماوات وَمَا فِى الارض وكفى بالله وَكِيلاً﴾.
الفاء للتفريع عن جملة القصر وما بنيت عليه. أي إذا وضح كلّ ما بيَّنه الله من وحدانيَّته، وتنزيهه، وصدق رسله، يتفرّع أن آمُركم بالإيمان بالله ورسله. وأمروا بالإيمان بالله مع كونهم مؤمنين، أي النصارى، لأنّهم لمّا وصفوا الله بما لا يليق فقد أفسدوا الإيمان، وليكون الأمر بالإيمان بالله تمهيداً للأمر بالإيمان برُسله، وهو المقصود، وهذا هو الظاهر عندي. وأريدَ بالرسل جميعهم، أي لا تكفروا بواحد من رسله. وهذا بمنزلة الاحتراس عن أن يتوهّم متوهّمون أن يعرضوا عن الإيمان برسالة عيسى عليه السلام مبالغة في نفي الإلهية عنه.
وقوله :﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ أي لا تنطقوا بهذه الكلمة، ولعلّها كانت شعاراً للنصارى في دينهم ككلمة الشهادة عند المسلمين، ومن عوائدهم الإشارة إلى التثليث بالأصابع الثلاثة : الإبهام والخنصر والبنصر. والمقصود من الآية النهي عن النطق بالمشتهر من مدلول هذه الكلمة وعن الاعتقاد. لأنّ أصل الكلام الصدق فلا ينطق أحد إلاّ عن اعتقاد، فالنهي هنا كناية بإرادةِ المعنى ولازمه. والمخاطب بقوله :﴿ولا تقولوا﴾ خصوص النّصارى.
و ﴿ثلاثة﴾ خبر مبتدأ محذوف كانَ حذفه ليصلحَ لكلّ ما يصلحُ تقديره من مذاهبهم من التثليث، فإنّ النصارى اضطربوا في حقيقة تثليث الإله كما سيأتي، فيقدر المبتدأ المحذوف على حسب ما يقتضيه المردود من أقوالهم في كيفية التثليث ممّا يصحّ الإخبار عنه بلفظ ﴿ثلاثة﴾ من الأسماء الدّالة على الإله، وهي عدّة أسماء. ففي الآية الأخرى ﴿لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: ٧٣]. وفي آية آخر هذه السورة ﴿أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦]، أي إلهين مع الله، كما سيأتي، فالمجموع ثلاثة : كلّ واحد منهم إله ؛ ولكنّهم يقولون : أنّ مجموع الثلاثة إله واحد أو اتّحدت الثلاثة فصار إله واحد. قال في « الكشّاف » :( ثلاثة ) خبر مبتدأ محذوف فإن صحّت الحكاية عنهم أنَّهم يقولون : هو جوهر واحد وثلاثة أقانيم، فتقديره الله ثلاثة وإلاّ فتقديره الآلهة ثلاثة اهـ.
والتثليث أصل في عقيدة النصارى كلّهم، ولكنّهم مختلفون في كيفيته.. ونشأ من اعتقاد قدماء الإلهيّين من نصارى اليونان أنّ الله تعالى ( ثَالُوث )، أي أنَّه جوهر واحد، وهذا الجوهر مجموع ثلاثة أقانيم، واحدها أقْنُوم بضم الهمزة وسكون القاف. قال في « القاموس » : هو كلمة رومية، وفسّره القاموس بالأصل، وفسّره التفتزاني في كتاب « المقاصد » بالصفة. ويظهر أنَّه معرّب كلمة ( قنوم بقاف معقد عجمي ) وهو الاسم، أي ( الكلمة ). وعبّروا عن مجموع الأقانيم الثلاثة بعبارة ( آبَا ابنَا رُوحا قُدُسا ) وهذه الأقانيم يتفرّع بعضها عن بعض : فالأقنوم الأول أقنوم الذات أو الوجود القديم وهو الأب وهو أصل الموجودات.
والأقنوم الثاني أقنوم العلم، وهو الابن، وهو دونَ الأقنوم الأول، ومنه كان تدبير جميع القوى العقلية.
والأقنوم الثالث أقنوم الروح القُدس، وهو صفة الحياة، وهي دون أقنوم العلم ومنها كان إيجاد عالم المحسوسات.
وقد أهملوا ذكر صفات تقتضيها الإلهية، مثل القِدم والبقاء، وتركوا صفة الكلام والقدرة والإرادة، ثمّ أرادوا أن يتأوّلوا ما يقع في الإنجيل من صفات الله فسمّوا أقنوم الذات بالأب، وأقنوم العلم بالابن، وأقنوم الحياة بالروح القدس، لأنّ الإنجيل أطلق اسم الأب على الله، وأطلق اسم الابن على المسيح رسوله، وأطلق الروح القدس على ما به كُوّن المسيح في بطن مريم، على أنَّهم أرادوا أن ينبّهوا على أنّ أقنوم الوجود هو مفيض الأقنومين الآخرين فراموا أن يدلّوا على عدم تأخّر بعض الصّفات عن بعض فعبّروا بالأب والابن، ( كما عبّر الفلاسفة اليونان بالتولّد ). وسمّوا أقنوم العلم بالكلمة لأنّ من عبارات الإنجيل إطلاق الكلمة على المسيح، فأرادوا أنّ المسيح مظهر علم الله، أي أنَّه يعلم ما علمه الله ويبلّغه، وهو معنى الرسالة إذ كان العلم يوم تدوين الأناجيل مكلَّلاً بالألفاظ الاصطلاحية للحكمة الإلهية الروميّة، فلمّا اشتبهت عليهم المعاني أخذوا بالظواهر فاعتقدوا أنّ الأرباب ثلاثة وهذا أصل النصرانيّة، وقاربوا عقيدة الشرك.
ثمّ جَرّهم الغُلوّ في تقديس المسيح فتوهَّموا أنّ علم الله اتّحد بالمسيح، فقالوا : إنّ المسيح صار ناسوتُه لاَهُوتاً، باتّحاد أقنُوم العلم به، فالمسيح جوهران وأقنوم واحد، ثمّ نشأت فيهم عقيدة الحلول، أي حلول الله في المسيح بعبارات متنوّعة، ثمّ اعتقدوا اتّحاد الله بالمسيح، فقالوا : الله هو المسيح. هذا أصل التثليث عند النّصارى، وعنه تفرّعت مذاهب ثلاثة أشار إلى جميعها قوله تعالى :﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ وقولُه ﴿لقد كفر الّذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ [المائدة: ٧٢] وقولُه :﴿أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦] وكانوا يقولون : في عيسى لاهوتيةٌ من جهة الأب ونَاسوتيَّةٌ أي إنسانية من جهة الأمّ.
وظهر بالإسكندرية راهب اسمه ( آريوس ) قالو بالتوحيد وأنّ عيسى عبدُ الله مخلوق، وكان في زمن ( ق
استئناف ابتدائي بخطاب موجّه إلى النصارى خاصّة. وخوطبوا بعنوان أهل الكتاب تعريضاً بأنَّهم خالفوا كتابهم. وقرينةُ أنَّهم المراد هي قوله :﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾ إلى قوله :﴿أن يكون عبداً لله﴾ [النساء: ١٧٢] فإنّه بيان للمراد من إجمال قوله :﴿لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ﴾ وابتدئت موعظتهم بالنّهي عن الغلوّ لأنّ النّصارى غلَوا في تعظيم عيسى فادّعوا له بنوّة الله، وجعلوه ثالث الآلهة.
والغلوّ : تجاوز الحدّ المألوف، مشتقّ من غَلْوَة السهم، وهي منتهى اندفاعه، واستُعير للزيادة على المطلوب من المعقول، أو المشْرُوع في المعتقدات، والإدراكات، والأفعال. والغلوّ في الدّين أن يُظهر المتديّن ما يفوت الحدّ الّذي حدّد له الدينُ. ونهاهم عن الغلوّ لأنَّه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصّادقين. وغلّو أهل الكتاب تجاوزُهم الحدّ الذي طلبه دينهم منهم : فاليهود طولبوا باتّباع التّوراة ومحبّة رسولهم، فتجاوزوه إلى بِغضة الرسل كعيسى ومحمدّ عليهما السّلام، والنّصارى طولبوا باتّباع المسيح فتجاوزوا فيه الحدّ إلى دعوى إلهيّته أو كونه ابنَ الله، مع الكفر بمحمدّ ﷺ.
وقوله :﴿ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ﴾ عطف خاصّ على عامّ للاهتمام بالنهي عن الافتراء الشنيع. وفعل القول إذا عدّي بحرف ( على ) دلّ على أنّ نسبة القائل القول إلى المجرور ب ( على ) نسبة كاذبة، قال تعالى :﴿ويقولون على الله الكذب﴾ [آل عمران: ٧٨]. ومعنى القول على الله هنا : أن يقولوا شيئاً يزعمون أنَّه من دينهم، فإنّ الدين من شأنه أن يتلقّى من عند الله.
وقوله :﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم﴾ جملة مبيّنة للحدّ الذي كان الغلوّ عنده، فإنَّه مجمل ؛ ومبيّنة للمراد من قول الحقّ.
ولكونها تتنزّل من الَّتي قبلها منزلة البيان فُصلت عنها. وقد أفادت الجملة قصر المسيح على صفات ثلاث : صفة الرسالة، وصفةِ كونه كلمة الله ألقيت إلى مريم، وصفة كونه روحاً من عند الله. فالقصر قصر موصوف على صفة. والقصد من هذا القصر إبطال ما أحدثه غلوّهم في هذه الصّفات غلوّاً أخرجها عن كنهها ؛ فإنّ هذه الصّفات ثابتة لعيسى، وهم مثبتون لها فلا يُنكر عليهم وصفُ عيسى بها، لكنّهم تجاوزوا الحدّ المحدود لها فجعلوا الرسالة البُنوّة، وجعلوا الكلمة اتِّحادَ حقيقة الإلهيّة بعيسى في بطن مريم فجعلوا عيسى ابناً لله ومريم صاحبة لله سبحانه، وجعلوا معنى الروح على ما به تكوّنت حقيقة المسيح في بطن مريم من نفْس الإلَهية.
والقصر إضافي، وهو قصر إفرادٍ، أي عيسى مقصور على صفة الرسالة والكلمة والروح، لا يتجاوز ذلك إلى ما يُزاد على تلك الصّفات من كون المسيح ابناً لله واتِّحاد الإلهيّة به وكون مريم صاحبة.
ووصف المسيح بأنّه كلمة الله وصف جاء التّعبير به في الأناجيل ؛ ففي صدر إنجيل يوحنا « في البدء كان الكلمةُ، والكلامة كان عند الله، وكان الكلمة الله ثم قال والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا ». وقد حكاه القرآن وأثبته فدلّ على أنّه من الكلمات الإنجيلية، فمعنى ذلك أنّه أثَر كلمة الله. والكلمةُ هي التكوين، وهو المعبّر عنه في الاصطلاح ب ( كُن ). فإطلاق الكلمة على التكوين مجاز، وليس هو بكلمة، ولكنّه تعلّقُ القدرة. ووصف عيسى بذلك لأنَّه لم يكن لتكوينه التّأثيرُ الظاهرُ المعروف في تكوين الأجنّة، فكان حدوثه بتعلّق القدرة، فيكون في ﴿كلمته﴾ في الآية مجازان : مجاز حذف، ومجاز استعارة صار حقيقة عرفيّة.
ومعنى ﴿ألقاها إلى مريم﴾ أوصلها إلى مريم، وروعي في الضمير تأنيث لفظ الكلمة، وإلاّ فإنّ المراد منها عيسى، أو أراد كلمة أمر التكوين. ووصف عيسى بأنّه روح الله وصفٌ وقع في الأناجيل. وقد أقرّه الله هنا، فهو ممّا نزل حقّاً.
ومعنى كون عيسى روحاً من الله أنّ روحه من الأرواح الّتي هي عناصر الحياة، لكنّها نسبت إلى الله لأنَّها وصلت إلى مريم بدون تكوّن في نطفةٍ فبهذا امتاز عن بقيّة الأرواح. ووُصف بأنّه مبتدأ من جانب الله، وقيل : لأنّ عيسى لمّا غلبت على نفسه الملكية وصف بأنّه روح، كأنّ حظوظ الحيوانية مجرّدة عنه. وقيل : الروح النفخة. والعرب تسمّى النفس روحاً والنفخ روحاً. قال ذو الرمّة يذكر لرفيقه أن يوقد ناراً بحطب :
| فقلت له ارفعها إليك فأَحيها | برُوحك واقتُتْه لها قِيتة قَدْرا |
وتلقيب عيسى بالروح طفحت به عبارات الأناجيل. و ( مِن ) ابتدائية على التقادير.
فإن قلت : ما حكمة وقوع هذين الوصفين هنا على ما فيهما من شبهة ضلّت بها النّصارى، وهلاّ وصف المسيح في جملة القصر بمثل ما وصف به محمّد ﷺ في قوله تعالى :﴿قل إنَّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ﴾ [الكهف: ١١٠] فكان أصرح في بيان العبوديّة، وأنفى للضلال.
قلت : الحكمة في ذلك أنّ هذين الوصفين وقعا في كلام الإنجيل، أو في كلام الحواريّين وصفاً لعيسى عليه السّلام، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذٍ، فلمَّا تغيّرت أساليب اللّغات وساء الفهم في إدراك الحقيقة والمجاز تسرّب الضلال إلى النّصارى في سوء وضعهما فأريد التنبيه على ذلك الخطأ في التأويل، أي أنّ قصارى ما وقع لديكم من كلام الأناجيل هو وصف المسيح بكلمة الله وبروح الله، وليس في شيء من ذلك ما يؤدّي إلى اعتقاد أنَّه ابن الله وأنَّه إله.
وتصدير جملة القصر بأنّه ﴿رسول الله﴾ ينادي على وصف العبوديّة إذ لا يُرسل الإله إلهاً مثله، ففيه كفاية من التنبيه على معنى الكلمة والروح.
﴿فآمنوا بالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا الله إله واحد سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ ما فِى السماوات وَمَا فِى الارض وكفى بالله وَكِيلاً﴾.
الفاء للتفريع عن جملة القصر وما بنيت عليه. أي إذا وضح كلّ ما بيَّنه الله من وحدانيَّته، وتنزيهه، وصدق رسله، يتفرّع أن آمُركم بالإيمان بالله ورسله. وأمروا بالإيمان بالله مع كونهم مؤمنين، أي النصارى، لأنّهم لمّا وصفوا الله بما لا يليق فقد أفسدوا الإيمان، وليكون الأمر بالإيمان بالله تمهيداً للأمر بالإيمان برُسله، وهو المقصود، وهذا هو الظاهر عندي. وأريدَ بالرسل جميعهم، أي لا تكفروا بواحد من رسله. وهذا بمنزلة الاحتراس عن أن يتوهّم متوهّمون أن يعرضوا عن الإيمان برسالة عيسى عليه السلام مبالغة في نفي الإلهية عنه.
وقوله :﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ أي لا تنطقوا بهذه الكلمة، ولعلّها كانت شعاراً للنصارى في دينهم ككلمة الشهادة عند المسلمين، ومن عوائدهم الإشارة إلى التثليث بالأصابع الثلاثة : الإبهام والخنصر والبنصر. والمقصود من الآية النهي عن النطق بالمشتهر من مدلول هذه الكلمة وعن الاعتقاد. لأنّ أصل الكلام الصدق فلا ينطق أحد إلاّ عن اعتقاد، فالنهي هنا كناية بإرادةِ المعنى ولازمه. والمخاطب بقوله :﴿ولا تقولوا﴾ خصوص النّصارى.
و ﴿ثلاثة﴾ خبر مبتدأ محذوف كانَ حذفه ليصلحَ لكلّ ما يصلحُ تقديره من مذاهبهم من التثليث، فإنّ النصارى اضطربوا في حقيقة تثليث الإله كما سيأتي، فيقدر المبتدأ المحذوف على حسب ما يقتضيه المردود من أقوالهم في كيفية التثليث ممّا يصحّ الإخبار عنه بلفظ ﴿ثلاثة﴾ من الأسماء الدّالة على الإله، وهي عدّة أسماء. ففي الآية الأخرى ﴿لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: ٧٣]. وفي آية آخر هذه السورة ﴿أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦]، أي إلهين مع الله، كما سيأتي، فالمجموع ثلاثة : كلّ واحد منهم إله ؛ ولكنّهم يقولون : أنّ مجموع الثلاثة إله واحد أو اتّحدت الثلاثة فصار إله واحد. قال في « الكشّاف » :( ثلاثة ) خبر مبتدأ محذوف فإن صحّت الحكاية عنهم أنَّهم يقولون : هو جوهر واحد وثلاثة أقانيم، فتقديره الله ثلاثة وإلاّ فتقديره الآلهة ثلاثة اهـ.
والتثليث أصل في عقيدة النصارى كلّهم، ولكنّهم مختلفون في كيفيته.. ونشأ من اعتقاد قدماء الإلهيّين من نصارى اليونان أنّ الله تعالى ( ثَالُوث )، أي أنَّه جوهر واحد، وهذا الجوهر مجموع ثلاثة أقانيم، واحدها أقْنُوم بضم الهمزة وسكون القاف. قال في « القاموس » : هو كلمة رومية، وفسّره القاموس بالأصل، وفسّره التفتزاني في كتاب « المقاصد » بالصفة. ويظهر أنَّه معرّب كلمة ( قنوم بقاف معقد عجمي ) وهو الاسم، أي ( الكلمة ). وعبّروا عن مجموع الأقانيم الثلاثة بعبارة ( آبَا ابنَا رُوحا قُدُسا ) وهذه الأقانيم يتفرّع بعضها عن بعض : فالأقنوم الأول أقنوم الذات أو الوجود القديم وهو الأب وهو أصل الموجودات.
والأقنوم الثاني أقنوم العلم، وهو الابن، وهو دونَ الأقنوم الأول، ومنه كان تدبير جميع القوى العقلية.
والأقنوم الثالث أقنوم الروح القُدس، وهو صفة الحياة، وهي دون أقنوم العلم ومنها كان إيجاد عالم المحسوسات.
وقد أهملوا ذكر صفات تقتضيها الإلهية، مثل القِدم والبقاء، وتركوا صفة الكلام والقدرة والإرادة، ثمّ أرادوا أن يتأوّلوا ما يقع في الإنجيل من صفات الله فسمّوا أقنوم الذات بالأب، وأقنوم العلم بالابن، وأقنوم الحياة بالروح القدس، لأنّ الإنجيل أطلق اسم الأب على الله، وأطلق اسم الابن على المسيح رسوله، وأطلق الروح القدس على ما به كُوّن المسيح في بطن مريم، على أنَّهم أرادوا أن ينبّهوا على أنّ أقنوم الوجود هو مفيض الأقنومين الآخرين فراموا أن يدلّوا على عدم تأخّر بعض الصّفات عن بعض فعبّروا بالأب والابن، ( كما عبّر الفلاسفة اليونان بالتولّد ). وسمّوا أقنوم العلم بالكلمة لأنّ من عبارات الإنجيل إطلاق الكلمة على المسيح، فأرادوا أنّ المسيح مظهر علم الله، أي أنَّه يعلم ما علمه الله ويبلّغه، وهو معنى الرسالة إذ كان العلم يوم تدوين الأناجيل مكلَّلاً بالألفاظ الاصطلاحية للحكمة الإلهية الروميّة، فلمّا اشتبهت عليهم المعاني أخذوا بالظواهر فاعتقدوا أنّ الأرباب ثلاثة وهذا أصل النصرانيّة، وقاربوا عقيدة الشرك.
ثمّ جَرّهم الغُلوّ في تقديس المسيح فتوهَّموا أنّ علم الله اتّحد بالمسيح، فقالوا : إنّ المسيح صار ناسوتُه لاَهُوتاً، باتّحاد أقنُوم العلم به، فالمسيح جوهران وأقنوم واحد، ثمّ نشأت فيهم عقيدة الحلول، أي حلول الله في المسيح بعبارات متنوّعة، ثمّ اعتقدوا اتّحاد الله بالمسيح، فقالوا : الله هو المسيح. هذا أصل التثليث عند النّصارى، وعنه تفرّعت مذاهب ثلاثة أشار إلى جميعها قوله تعالى :﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ وقولُه ﴿لقد كفر الّذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ [المائدة: ٧٢] وقولُه :﴿أأنت قلت للنّاس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦] وكانوا يقولون : في عيسى لاهوتيةٌ من جهة الأب ونَاسوتيَّةٌ أي إنسانية من جهة الأمّ.
وظهر بالإسكندرية راهب اسمه ( آريوس ) قالو بالتوحيد وأنّ عيسى عبدُ الله مخلوق، وكان في زمن ( ق