بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿يا أَهْلَ الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ قال الضحاك : أي لا تكذبوا في دينكم. وقال بعض أهل اللغة : الغلو مجاوزة القدر في الظلم. ويقال : الغلو أن تجاوز ما حدَّ لك. وقال القتبي : يعني لا تفرطوا في دينكم، فإن دين الله بين المقصر والغالي. وغلا في القول إذا تجاوز المقدار. وقال ابن عباس : وذلك أن اليعقوبية وهم صنف من النصارى قالوا : عيسى هو الله. وقالت النسطورية : هو ابن الله. وقالت المرقوسية ويقال لهم الملكانية : هو ثالث ثلاثة، فنزل ﴿حَكِيماً يا أَهْلَ الكتاب لاَ تَغْلُواْ في دِينِكُمْ﴾. قال مقاتل : الغلو في الدين أن يقول على الله غير الحق. ويقال : لا تتعمقوا في دينكم. ثم قال تعالى :﴿وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾ يعني : لا تصنعوا بالله بما لا يليق بصفاته، فإن الله تعالى واحد لا شريك له ولا ولد له.
ثم قال تعالى :﴿إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ﴾ وهو قوله ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لشيء إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ثم قال :﴿وَرُوحٌ مّنْهُ﴾ قال ابن عباس في رواية الكلبي : يعني أمر منه فأتاها جبريل، فنفخ في جيب درعها فدخلت تلك النفخة بطنها، ثم وصل إلى عيسى ابن مريم فتحرك في بطنها وأمه أمة الله تعالى ﴿فآمنوا بالله ورسله﴾ يعني : صدقوا بوحدانية الله تعالى وبما جاءكم به الرسل من الله تعالى ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة﴾ يعني : لا تقولوا إن الله ثالث ثلاثة ﴿انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ يقول : توبوا إلى الله تعالى من مقالتكم، فالتوبة خيرٌ لكن من الإصرار على الكفر ﴿إِنَّمَا الله إله واحد﴾ ثم نزّه نفسه عما قال الكفار فقال :﴿سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾. ثم قال تعالى :﴿لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ من الخلق ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ يعني كفيلاً ويقال شاهداً ولا شاهد أفضل منه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى