غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
ثم لما أجاب عن شبه اليهود خاطب النصارى ومنعهم عن الغلو في الدين وهو الإفراط في شأن المسيح إلى أن اعتقدوه إلهاً لا نبياً، وحثهم على أن لا يقولوا على الله إلاّ الحق الذي يحق ويجب وصفه به وهو تنزيهه عن الحلول في بدن إنسان والاتحاد بروحه واتخاذه لصاحبه وولد ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته﴾ وجد بأمره من غير واسطة أب ولا نطفة ﴿ألقاها﴾ أي الكلمة ﴿إلى مريم﴾ أي أوصلها إليها وحصلها فيها ﴿وروح منه﴾ أي إنه ظاهر نظيف بمنزلة الروح كما يقال : هذه نعمة من الله، أو سمي بذلك لأنه سبب حياة الأرواح أو كمالها كما سمي القرآن روحاً في قوله :﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾[الشورى: ٥٢] وقيل : أي رحمة منه كقوله :﴿وأيدهم بروح منه﴾[المجادلة: ٢٢] ولا شك أن وجود النبي ﷺ رحمة للأمة قال تعالى :﴿وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين﴾[الأنبياء: ١٠٧] وقال ﷺ :" إنما أنا رحمة مهداة " وقيل : الروح هو الريح يعني أن النفخ من جبريل كان بأمر الله تعالى فهو منه والتنكير للتعظيم أي روح من الأرواح الشريفة القدسية العالية. وقوله :﴿منه﴾ إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف. ﴿فآمنوا بالله ورسله﴾ أي آمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلهاً ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ هي خبر مبتدأ محذوف أي الله ثلاثة إن كان معتقدهم أن الذات جوهر واحد وأنه ثلاثة بالصفات ويسمونها الأقانيم أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم روح القدس، وربما يقولون أقنوم الذات وأقنوم العلم وأقنوم الحياة، أو الآلهة ثلاثة إن كان في اعتقادهم أنها ذوات قائمة بأنفسها الأب والأم والابن. ولعل القولين مرجعهما إلى واحد لأنهم إذا جوزوا على الصفات الانتقال والحلول في عيسى وفي مريم فقد جعلوها مستقلة بأنفسها ولهذا لزم الكفر والشرك، وإلا فمجرد إثبات الصفات لله تعالى لا يوجب الشرك. فالأشاعرة أثبتوا لله تعالى ثمان صفات قدماء. ﴿انتهوا﴾ عن التثليث واقصدوا ﴿خيراً لكم إنما الله إله واحد﴾ لا تركيب فيه بوجه من الوجوه ﴿سبحانه أن يكون له ولد﴾ أسبحه تسبيحاً وأنزهه تنزيهاً من أن يكون له ولد فلا يتصل به عيسى اتصال الأبناء بالآباء ولكن من حيث إنه عبده ورسوله موجود بأمر جسداً حياً من غير أب ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ فكيف يكون بعض ملكه جزءاً منه على أن الجزء إنما يصح في المنقسم عقلاً أو حساً، وإنه لا ينقسم بجهة من الجهات لا العقلية ولا الحسية. ﴿وكفى بالله وكيلاً﴾ وإذا كان كافياً في تدبير المخلوقات وحفظ المحدثات فلا حاجة معه إلى القول بإثبات إله آخر مستقل أو مشارك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض﴾ يعني إن تؤمنوا يكن لكم ماله وإن تكفروا فالكل له ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ لا تميلوا إلى طرفي التفريط والإفراط. فاليهود فرطوا في شأنه فلم يقبلوه نبياً وهموا بقتله، والنصارى أفرطوا في حبه فجعلوه ابن الله، وكذلك كل ولي له سبحانه يشقى قوم بترك احترامه وطلب أذيته، وقوم بالزيادة في إعظامه حتى يعتقد فيه ما ليس يرضى به كالخوارج والغلاة من الشيعة ولهذا قال رسول الله ﷺ :" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ". ﴿وروح منه﴾ لأنه تكوّن بأمركن من غير واسطة أب كما أن الروح تكون كذلك ﴿قل الروح من أمر ربي﴾[الإسراء: ٨٥] ولغلبة جانب الروحانية عليه كان يحيي الأجساد الميتة إذ ينفخ فيها وهذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان ؛ فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته في إنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله تعالى بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً فيكون في قومه كالنبي في أمته ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ يعني نفوسكم والرسول والله. بل انتهوا بنظر الوحدة عن رؤية الثلاثة فينكشف لكم ﴿إنما الله إله واحد﴾ سبحانه أنه يتولد من وحدانيته شيء له الوجود الحقيقي القائم الدائم أولاً وأخرا وظاهراً وباطناً ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾[القصص: ٨٨] ﴿وكفى بالله وكيلاً﴾ لكل هالك. ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله﴾ لأن العبدية وهي حقيقة الإمكان الذاتي واجبة له ولهذا نطق في المهد بقوله :﴿إني عبد الله﴾[ مريم٣٠ ] ﴿ولا الملائكة المقربون﴾ إنما ذكرهم لأن بعض الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله كما قالت النصارى المسيح ابن الله. ﴿قد جاءكم برهان﴾ جعل نفس النبي برهاناً لأنه برهان بالكلية وبرهان غيره كان في أشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في عصاه. فمن ذلك برهان بصره ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾[النجم: ١٧] ومنه برهان أنفه " إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن " ومنه برهان لسانه ﴿وما ينطق عن الهوى﴾[النجم: ٣] وبرهان بصاقه بصق في العجين وفي البرمة فأكلوا من ذلك وهم ألف حتى تركوه والبرمة تفور كما هي والعجين يخبز. وبرهان تفله تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرأ بإذن الله وذلك يوم خيبر، وبرهان يده ﴿وما رميت إذ رميت﴾[الأنفال: ١٧] وسبح الحصى في يده، وبرهان أصبعه أشار بها إلى القمر فانشق فلقتين، وقد جرى الماء من بين أصابعه حتى شرب ورفع منه خلق كثير، وبرهان صدره كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل. ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾[الشرح: ١] وبرهان قلبه " تنام عيناي ولا ينام قلبي " ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾[الشعراء: ١٩٣] وبرهان كله ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾[الإسراء: ١] اللهم ارزقنا الاقتناص من هذا البرهان والاقتباس من أنوار القرآن إنك أنت الرؤوف المنان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى