فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
أصل يستنكف نكف وباقي الحروف زائدة، يقال نكفت من الشيء، واستنكفت منه، وأنكفته : أي : نزهته عما يستنكف منه. قال الزجاج : استنكف أي : أنف، مأخوذ من نكفت الدمع : إذا نحيته بأصبعك عن خديك ؛ وقيل : هو من النكف، وهو العيب، يقال : ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف أي : عيب. ومعنى الأوّل : لن يأنف عن العبودية، ولن يتنزّه عنها. ومعنى الثاني : لن يعيب العبودية، ولن ينقطع عنها :﴿وَلاَ الملائكة المقربون﴾ عطف على المسيح، أي : ولن يستنكف الملائكة المقرّبون عن أن يكونوا عباداً لله.
وقد استدلّ بهذا القائلون بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وقرر صاحب الكشاف وجه الدلالة بما لا يسمن ولا يغني من جوع، وادّعى أن الذوق قاض بذلك، ونعم الذوق العربي إذا خالطه محبة المذهب، وشابه شوائب الجمود كان هكذا، وكل من يفهم لغة العرب يعلم أن من قال لا يأنف من هذه المقالة إمام ولا مأموم أو لا كبير ولا صغير أو لا جليل ولا حقير، لم يدل هذا على أن المعطوف أعظم شأناً من المعطوف عليه، وعلى كل حال، فما أردأ الاشتغال بهذه المسألة، وما أقلّ فائدتها، وما أبعدها عن أن تكون مركزاً من المراكز الشرعية الدينية، وجسراً من الجسور :﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ أي : يأنف تكبراً، ويعدّ نفسه كبيراً عن العبادة ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ المستنكف وغيره، فيجازي كلاً بعمله. وترك ذكر غير المستنكف هنا لدلالة أوّل الكلام عليه. ولكون الحشر لكلا الطائفتين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال :﴿لن يَسْتَنكِفَ المسيح﴾ لن يستكبر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والإسماعيلي في معجمه بسند ضعيف، عن ابن مسعود قال : قال : رسول الله ﷺ في قوله :﴿فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ من فَضْلِهِ﴾ قال :﴿أجورهم﴾ يدخلهم الجنة، ﴿ويزيدهم من فضله﴾ الشفاعة فيمن وجبت له النار، ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا. وقد ساقه ابن كثير في تفسيره، فقال : وقد روى ابن مردويه، من طريق بقية عن إسماعيل بن عبد الله الكندي عن الأعمش عن شقيق عن ابن مسعود، فذكره، وقال : هذا إسناد لا يثبت، وإذا روي عن ابن مسعود موقوفاً، فهو جيد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ﴿قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ﴾ أي : بينة ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مبِيناً﴾ قال : هذا القرآن. وأخرجا أيضاً عن مجاهد قال : برهان حجة. وأخرجا أيضاً عن ابن جريج في قوله :﴿واعتصموا بِهِ﴾ قال : القرآن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى