الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
قوله :( يَأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ... ) الآية [ ١٧٢ ].
معنى ( وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ ) : أي : آلهتنا(١) ثلاثة.
( انْتَهُوا خَيْراً(٢) لَّكُمُ )(٣) نصب ( خَيْراً ) عند سيبويه على إضمار فعل دل عليه الكلام(٤) لأنه أمرهم بالانتهاء عن الكفر والدخول في الإيمان(٥)، فالمعنى : وأتوا خيراً لكم. قال : لأنك إذا قلت أنتم فأنت تخرجه من شيء، وتدخله في آخر، ومثله عنده.
قواعد من(٦) سر حتى ملك(٧) أو الربا بينهما(٨) أسهلا(٩)
والمعنى : وآت أسهلا.
ومذهب أبي عبيدة أنه خبر كان، والتقدير يكن خيراً لكم(١٠)، ورد ذلك المبرد لأنه يضمر الشرط وإضماره لا يحسن(١١).
ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف كأنه قال : انتهوا انتهاء خيراً لكم(١٢).
قوله :( سُبْحَانَهُ ) انتصب(١٣) انتصاب المصدر.
و( أَنْ يَّكُونَ ) إن في موضع [ نصب ](١٤) بحذف الخافض المحذوف، [ والتقدير على أن يكون(١٥)، وقد قيل(١٦) : في موضع خفض بإعمال الخافض المحذوف ](١٧).
ومعنى الآية : أنها خطاب للنصارى(١٨).
فمعنى :( لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ) أي : " لا تجاوزوا الحق في دينكم.
( وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ [ إِلاَّ الحَقَّ ](١٩) ) أي : لا تقولوا في عيسى إلا الحق فإن قولكم في عيسى غير الحق إذ تقولون إنه : ابن الله، فهذا قولهم على الله غير الحق.
و( المَسِيحُ ) فعيل بمعنى مفعول بمعنى ممسوح وسمي بذلك لأن الله مسحه من الذنوب والأدناس(٢٠).
وقد قيل : إنها لفظة أعجمية أصلها مشيحا فأعرب فقيل المسيح، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع بأشبع من هذا التفسير(٢١).
ومعنى :( وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ) الكلمة هنا الرسالة التي أمر الله ملائكته أن تأتي بها مريم مبشرة من الله لها(٢٢) التي ذكرها الله في آل عمران.
قال قتادة : كلمته [ قوله ](٢٣) ( كُنْ فَيَكُونُ )(٢٤).
ومعنى :( أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ) أعلمها بها وأخبرها، كما تقول : ألقيت إليك كلمة حسنة، بمعنى أعلمتك، بها.
ومعنى :( وَرُوحٌ مِّنْهُ ) أي : ونفخ منه، وذلك أنه حدث عيسى في بطن أمه بأمر الله، وتقديره من غير ذكر من نفخة جبريل عليه السلام في درع مريم بأمر الله إياه، فنسبه تعالى إليه لأنه عن أمره كان(٢٥).
وسمي النفخ روحاً : لأنه ريح تخرج من الروح.
وقيل : معنى :( وَرُوحٌ مِّنْهُ ) : أنه كان بإحياء الله إياه بقوله ( كُن ) فمعناه وحياة منه(٢٦).
وقيل : معنى :( وَرُوحٌ مِّنْهُ ) ورحمة منه كما قال ( وَأَيَّدَهُمْ برُوحٍ مِّنْهُ )(٢٧) فمعنى برحمة منه أي جعله رحمة لمن تبعه وصدقه.
كما قال :( وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً(٢٨) مِّنَّا )(٢٩).
وقال أُبي بن كعب [ في قوله ](٣٠) ( وَإِذَاَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ )(٣١) الآية.
قال : أخذهم فجعلهم أرواحاً، ثم صورهم ثم، استنطقهم، فكان روح عيسى عليه السلام من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد، والميثاق فأرسل تلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها فحملت فهو قوله ( وَرُوحٌ مِّنْهُ )(٣٢).
وقيل : الروح في الآية معطوف على المضمر في ( أَلْقَاهَا ) والمضمر اسم الله، والروح اسم جبريل كان تقديره : ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم، كما قال :
( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاَمِينُ )(٣٣) وهو جبريل عليه السلام(٣٤).
وقيل معنى :( وَرُوحٌ مِّنْهُ ) وبرهان منه لمن اتبعه، وذلك ما أنزل عليه من كتابه، وسمي البرهان روحاً، لأنه يحيى به من قبله(٣٥).
قوله :( لَّنْ يَّسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ... ) الآية [ ١٧٢-١٧٣ ].
( أَنْ ) في موضع نصب، أي : من إن، أو : عن إن(٣٦).
والمعنى :( لَّنْ يَّسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ ) و( لاَ الْمَلاَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ) أن يقروا بالعبودية لله والإذعان له(٣٧).
و( الْمُقَرَّبُونَ ) هم من قرب منهم من الله في المنزلة لا قرب المسافة.
وقيل : هم من قرب منهم من السماء السابعة قاله الضحاك(٣٨).
وفي هذا اللفظ دليل على فضل الملائكة على بني آدم.
ومعنى :( لَّنْ يَّسْتَنْكِفَ ) لن يتعظم(٣٩) ويستكبر.
( وَمَنْ يَّسْتَنْكِفْ ) أي يتعظم(٤٠) من عبادته ويستكبر عنها.
( فَسَيَحْشُرُهُمُ إِلَيْهِ جَمِيعاً ) أي يبعثهم، فأما المؤمنون وهم المقرون بالوحدانية ( لِيُوَفِّيَهُمُ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ ) [ بعد ذلك ](٤١) تفضلاً منه. [ وذلك أنه تعالى [ وعد ](٤٢) المؤمنين للحسنة عشر أمثالها، ثم يزيدهم تفضلاً منه ](٤٣) ما شاء غير محدود(٤٤).
وقيل : الزيادة إلى سبعمائة ضعف، وقيل إلى ألفين(٤٥).
قوله :( وَأَمَّا الذِينَ اسْتَكنكَفُوا )(٤٦) أي " تعظموا عن عبادته " ( وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً اَلِيماً ) أي مؤلماً.
( وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ) أي : يستنقذهم من عذاب الله(٤٧).
١ - (د): إلهنا..
٢ - (أ): خير وهو خطأ..
٣ - ساقط من (د)..
٤ - انظر: الكتاب ١/٢٨٢- ومعاني الزجاج ٢/١٣٤..
٥ - (د): الأفعال وهو خطأ..
٦ - كذا وهو خطأ صوابه: قواعديه، وبه وردت الرواية في الديوان..
٧ - كذا وهو خطأ صوابه: مالك..
٨ - (أ): بينهم..
٩ - هذا البيت لعمر بن أبي ربيعة، من البحر السريع في ديوانه من قصيدة مطلعها:
أرسلت كما عيل صبري إلى............. والبيت الذي استشهد به مكي أثبته محقق الديوان كرواية ثانية للبيت المثبت في متن القصيدة وهو:
وواعديه سدرتي مالك أو ذا الذي بينهما أسهلا
ص: ٣٤٩ – وسدرتي مالك: اسم مكان.
والشاعر هو أبو الخطاب عمر بن أبي ربيعة المخزومي توفي ٩٣ هـ من أرق الشعراء كثير الغزل يعد من طبقة جرير والفرزدق. انظر: الشعر والشعراء: ٤٥٧، والأغاني ١/٧١. والشاهد في البيت هو إضمار فعل قبل "أسهلا" فيعرب على أن مفعول به لفعل محذوف تقديره: وأت-واقصد..

١٠ - تقدم هذا فلا وجه لإعادته..
١١ - انظر: المقتضب ٣/٢٨٣..
١٢ - انظر: معاني الفراء ١/٢٩٥..
١٣ - هو أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل المعروف بالأخفش الصغير توفي ٣١٥ هـ من علماء النحو واللغة، انظر: إنباه الرواة ٢/٢٦٧، وإشارة التعيين ٢١٩ وبغية الوعاة ٢/١٦٧..
١٤ - عن إعراب النحاس ١/٤٧٦..
١٥ - (أ): ذا نصب وهو خطأ..
١٦ - ساقط من (أ)..
١٧ - عن إعراب النحاس ١/٤٧٦..
١٨ - عزاه الفراء للكسائي. انظر: معاني الفراء ١/٢٩٦..
١٩ - ساقط من (ج)..
٢٠ - انظر: جامع البيان ٦/٣٥، واللسان ٢/٥٩٤..
٢١ - يشير مكي إلى ما تقدم في آل عمران..
٢٢ - عبارة الطبري: بشارة من الله لها، جامع البيان ٦/٦٥..
٢٣ - ساقط من (أ)..
٢٤ - انظر: جامع البيان ٦/٣٥..
٢٥ - انظر: هذا التوجيه في جامع البيان ٦/٣٥-٣٦..
٢٦ - انظر: المصدر السابق..
٢٧ - المجادلة آية ٢١..
٢٨ - مريم آية ٢٠..
٢٩ - انظر: جامع البيان ٦/٣٦..
٣٠ - ساقط من (د)..
٣١ - الأعراف آية ١٧٢..
٣٢ - انظر: جامع البيان ٦/٣٦..
٣٣ - الشعراء آية ١٤٢..
٣٤ - انظر: جامع البيان ٦/٣٦..
٣٥ - انظر: الجامع للأحكام ٦/٢٣..
٣٦ - انظر: إعراب النحاس ١/٤٧٦، ومشكل الإعراب ١/٢١٣..
٣٧ - وإنما صح ذلك لأن "أن" متعلقة بما قبلها. انظر: القطع: ٢٧٩..
٣٨ - جامع البيان ٦/٣٨..
٣٩ - (ج): يستعظم..
٤٠ - (ج): يستعظم..
٤١ - ساقط من هـ..
٤٢ - ساقط من (أ)..
٤٣ - ساقط من (ج)..
٤٤ - انظر: هذا التوجيه في جامع البيان ٦/٣٨..
٤٥ - انظر: المصدر السابق..
٤٦ - يقال استنكف إذا استكبر، ومعنى لن يستنكف لن يأنف، ولن يمتنع من عبادة الله وعبوديته انظر: المفردات ٥٢٧، واللسان: نكف: ٩/٣٤٠..
٤٧ - انظر: جامع البيان ٦/٣٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى