غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿والمحصنات﴾ في كل القرآن بكسر الصاد إلاّ قوله :﴿والمحصنات من النساء﴾ على الباقون بالفتح. ﴿وأحل﴾ مبنياً للمفعول : يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون : مبنياً للفاعل. ﴿أحصن﴾ بفتح الهمزة والصاد : حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص. الباقون :﴿أحصن﴾ بضم الهمزة وكسر الصاد. ﴿تجارة﴾ بالنصب : حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص. الباقون : بالرفع.
الوقوف :﴿دخلتم بهن﴾ الأولى ( ز ) لابتداء الشرط مع اتحاد المقصود ﴿فلا جناح عليكم﴾ ( ز ) لذلك فإن جملة الشرط معترضة ﴿أصلابكم﴾ ( لا ) للعطف ﴿سلف﴾ ( ط ) ﴿رحيماً﴾ ( ه ) لا للعطف ﴿أيمانكم﴾ ( ج ) لأن ﴿كتاب الله﴾ يحتمل أن يكون مصدر التحريم لأنه في معنى الكتابة، ويحتمل أن يكون مصدر محذوف أي كتب الله كتاباً، والأحسن أن يكون مفعولاً له أي حرمت لكتاب الله. من قرأ ﴿وأحل﴾ بالفتح لم يحسن الوقف له على ﴿عليكم﴾ للعطف على " كتب "، ومن قرأ ﴿وأحل﴾ بالضم عطفاً على ﴿حرمت﴾ جاز له الوقف لطول الكلام ﴿مسافحين﴾ ( ط ) لابتداء حكم المتعة ﴿فريضة﴾ ( ط ) ﴿الفريضة﴾ ( ه ) ﴿حكيماً﴾ ( ه ) ﴿فتياتكم المؤمنات﴾ ( ط ) ﴿بإيمانكم﴾ ( ط ) ﴿من بعض﴾ ( ج ) لعطف المختلفين ﴿أخدان﴾ ( ج ) لذلك ﴿من العذاب﴾ ( ط ) ﴿العنت منكم﴾ ( ط ) ﴿خير لكم﴾ ( ط ) ﴿رحيم﴾ ( ه ) ﴿ويتوب عليكم﴾ ( ط ) ﴿حكيم﴾ ( ٥ ) ﴿عظيماً﴾ ( ه ) ﴿يخفف عنكم﴾ ( ج ) لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى أي يخفف لضعفكم ﴿ضعيفاً﴾ ( ه ) ﴿أنفسكم﴾ ( ط ) ﴿رحيماً﴾ ( ه ) ﴿ناراً﴾ ( ط ) ﴿يسيراً﴾ ( ه ).
﴿يريد الله ليبين لكم﴾ أقيمت اللام مقام " أن " في قولك أريد أن يقوم. وقيل : زيدت اللام وقدر " أن " وذلك لتأكيد إرادة التبيين كما زيدت في " لا أبا لك " لتأكيد إضافة الأب. وقيل : في الآية إضمار والأصل يريد الله إنزال هذه الأحكام ليبين لكم دينكم وشرعكم وما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم ويهديكم مناهج من كان قبلكم. قيل : المراد أن كل ما بيّن لنا من التحريم والتحليل في شأن النساء فقد كان الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل. وقيل : بل المراد أن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها إلاّ أنها متفقة في باب المصالح، وقيل : المعنى سنن من كان قبلكم من أهل الحق لتقتدوا بهم ويتوب عليكم. قال القاضي : معناه كما أراد منا نفس الطاعة فلا جرم بينها وأزاح الشبه عنها، كذلك يريد أن يتوب علينا إن وقع تقصير وتفريط. وفي الآية إشعار بأنه تعالى هو الذي يخلق التوبة فينا، فيرد عليه أنه إذا أراد التوبة منا وجب أن تحصل التوبة لكلنا وليس كذلك. وأجيب بأنّ المراد التوبة في باب نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات وقد حصلت هذه التوبة. وكذا الكلام في قوله :﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ الآية كلها إشارات إلى نهي التعليق ومنع التصرف في الأمهات السفليات والمتوالدات من أوصاف الإنسان وصفات الحيوان. ﴿إنّ الله كان غفوراً﴾ بأنواع غفرانه ظلمات الصفات الإنسانية التي تتولد من تصرفات الحواس في المحسوسات عند الضرورات بالأمر لا بالطبع ﴿رحيماً﴾ بالمؤمنين فيما اضطرهم إليه من التصرفات بقدر الحاجة الضرورية. ﴿والمحصنات من النساء﴾ هي الدنيا التي تصرف فيها العلويات ﴿إلاّ ما ملكت أيمانكم﴾ بإذن الله تعالى حيث قال :﴿كلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾
[الأعراف: ٣١] ﴿محصنين﴾ حرائر من الدنيا وما فيها ﴿غير مسافحين﴾ في الطلب مياه وجوهكم. ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ من الضروريات فأعطوا حقوق تلك الحظوظ بالطاعة والشكر والذكر. ثم إنّ الله تعالى أحب نزاهة قلب المؤمن عن دنس حب الدنيا كما أحب نزاهة فراشه فقال :﴿ومن لم يستطع﴾ أي من لم يقدر أن يسخر عجوز الدنيا الصالحة بأسرها ويجعلها منكوحة له ويحصنها بتصرّف شرائع الإسلام بحيث لا يكون لها تصرف في قلبه بوجه ما، فليتصرف في القدر الذي ملكت يمين قلبه من الدنيا ولم تملك قلبه لأنها مأمورة بخدمته وهي مؤمنة له بالخدمة كما قال ﷺ حكاية عن الله تعالى :" يا دنيا اخدمي من خدمني واستخدمي من خدمك ". ﴿محصنات﴾ بالصدق والإخلاص ﴿غير مسافحات﴾ بالتبذير والإسراف ﴿ولا متخذات أخدان﴾ من النفس والهوى ﴿فإذا أحصن﴾ بالإخلاص في العطاء والمنع والأخذ والدفع ﴿فإن أتين بفاحشة﴾ هي غلبات شهواتها على القلب فليبذل نصف ما ملكت يمينه من الدنيا في الله جناية وغرامة فهو حدها كما أن حدّ عجوز الدنيا إذا أحصنها ذوو الطول من الرجال فأتت بفاحشة إهلاكها بالكلية بالبذل في الله كما كان حال سليمان عليه السلام إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد لما شغلته عن الصلاة وأتت بفاحشة حب الخيل فطف مسبحاً بالسوق والأعناق ﴿ذلك﴾ التصرف في قدر من الدنيا ﴿لمن خشي﴾ ضعف النفس وقلة صبرها على ترك الدنيا وامتناعها عن قبول الأوامر والنواهي ﴿وأن تصبروا﴾ عن التصرّف في الدنيا بالكلية ﴿خير لكم﴾ كما قال ﷺ :" يا طالب الدنيا لتبر فتركها خير وأبر ". ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ فلكم المعونة ولغيركم المؤنة. قال إبراهيم :﴿إني ذاهب إلى ربي﴾[الصافات: ٩٩] وأخبر عن حال موسى بقوله :﴿ولما جاء موسى لميقاتنا﴾[الأعراف: ١٤٣] وعن حال نبينا بقوله :﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾[الإسراء: ١] وعن حال هذه الأمة بقوله :﴿سنريهم آياتنا﴾[فصلت: ٥٣] والمعونة هي الجذبة التي توازي عمل الثقلين، فلا جرم كان لغير نبيّنا الوصول إلى السماوات فقط، وكان لنبيّنا الوصول إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، ولأمته التقرّب :" لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ". والفرق بين النبي والولي، أنّ النبي مستقل بنفسه والولي لا يمكنه السير إلاّ في متابعة النبي وتسليكه. ﴿وخلق الإنسان ضعيفاً﴾ ولهذا أعين بالخدمة حتى يتصل بقوّة ذلك إلى مقام لا يصل إليه الثقلان بسعيهم إلى الأبد، وضعفه بالنسبة إلى جلال الله وكماله وإلاّ فهو أقوى في حمل الأمانة من سائر المخلوقات. وأيضا من ضعفه أنه لا يصبر عن الله لحظة فإنه يحبهم ويحبونه.
الصبر يحمد في المواطن كلهاإلاّ عليك فإنه لا يحمد
وكان أبو الحسن الخرقاني يقول : لو لم ألق نفساً لم أبق. وغير الإنسان يصبر عن الله لعدم المحبة. ومن ضعفه أنه لا يصبر مع الله عند غلبات سطوات التجلي كما أنه ﷺ كان يغان على قلبه وكان يقول حينئذٍ : كلميني يا حميراء. وكان الشبلي يقول : لا معك قرار ولا منك فرار، المستغاث بك منك إليك. ضعف الإنسان سبب كماله وسعادته، فساعة يتصف بصفات البهيمة، وساعة يتسم بسمات الملك. وليس لغيره هذا الاستعداد فلهذا جاء في الحديث الرباني :" أنا ملك حي لا أموت أبداً فأطعني عبدي لعلك تكون ملكاً حياً لا تموت أبداً ". ﴿إلا أن تكون تجارة﴾ أي تجارة تنجيكم من عذاب أليم. ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ بصرف أموالكم في شهواتها فإن ذلك سمها القاتل ﴿إن الله كان بكم رحيماً﴾ إذ بيّن لكم هذه الآفات ودلكم على هذه التجارات. ﴿ومن يفعل﴾ صرف المال إلى الهوى تعدياً عن أمر الله وظلماً على نفسه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى