الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ﴾ : في هذا الاستثناء قولان، أحدهما : وهو الأصح أنه استثناء منقطع لوجهين، أحدهما : أن التجارة لم تندرج في الأموال المأكولة بالباطل حتى يستثنى عنها، سواء فَسَّرت الباطل بغير عوض أو بغير طريق شرعي. والثاني : أن المستثنى كون، والكونُ ليس مالاً من الأموالِ. والثاني : أنه متصلٌ، واعتلَّ صاحب هذا القول بأن المعنى : لا تأكلوها بسببٍ إلاَّ أَنْ تكونَ تجارةً. قال أبو البقاء :" وهو ضعيف، لأنه قال :" بالباطل "، والتجارةُ ليست من جنس الباطل، وفي الكلام حذفُ مضاف تقديره : إلا في حال كونِها تجارةً أو في وقت كونِها تجارةً ". انتهى. ف " أن تكون " في محلِّ نصبٍ على الاستثناء وقد تقدَّم لك تحقيقُ ذلك.
وقرأ الكوفيون :" تجارةً " نصباً على أنَّ " كان " ناقصة، واسمُها مستتر فيها يعود على الأموالِ، ولا بد من حذف مضاف من " تجارة " تقديره : إلا أن تكونَ الأموال أموالَ تجارة، ويجوز أن يُفَسَّر الضمير بالتجارة بعدها أيَ : أن تكون التجارةُ تجارةً كقوله :
١٥٧٦. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** إذا كان يوماً ذا كواكبَ أَشْنعا
أي : إذا كان اليومُ يوماً، واختار أبو عبيد قراءة الكوفيين. وقرأ الباقون " تجارةٌ " رفعاً على أنها " كان " التامة. قال مكي :" الأكثرُ في كلام العرب أنَّ قولهم :﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ﴾ في الاستثناء بغيرِ ضمير فيها، على معنى يَحْدُث ويَقَعُ ". وقد تقدم القول في ذلك في البقرة.
و ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ متعلق بمحذوفٍ لأنه صفةٌ ل " تجارة "، فموضعه رفع أو نصب على حَسَبِ القراءتين. وأصل " تراض " " تراضِوٌ " بالواو، لأنه مصدر تراضى تفاعلَ من رَضِي، ورَضِي من ذوات الواو بدليل الرُّضوان، وإنما تطرَّفت الواو بعد كسرة فقلبت ياء فقلت : تراضياً. و " منكم " صفة ل " تراضٍ " فهو في محل جر، و " من " لابتداء الغاية. وقرأ علي رضي الله عنه :" تُقَتِّلوا " بالتشديد على التكثير، والمعنى : لا يقتلْ بعضكم بعضاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى