الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ : فيه وجهان، أحدهما : أنه منصوب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أي : لا يَظْلم أحداً ظلماً وزنَ ذرة، فحذف المفعول والمصدر وأقام نعتَه مُقامه. ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجهَ قَدَّر قبله مضافاً محذوفاً قال :" تقديرُه : ظلماً قَدْرَ مثقالِ ذرة، فَحَذَفَ المصدرَ وصفته، وأقام المضافَ إليه مُقامهما ". ولا حاجة إلى ذلك لأنَّ المثقالَ نفسَه هو قَدْر من الأقدار، جُعِل معياراً لهذا القَدْر المخصوصِ. والثاني : أنه منصوب على أنه مفعول ثان ل " يَظْلم " والأول محذوف، كأنهم ضَمَّنوا " بظلم " معنى " بغضب " و " بنقص " فَعَدَّوه لاثنين، والأصل : إنَّ الله لا يظلم أحداً مثقال ذرة.
قوله :﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً﴾ حُذِفت النون تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وهذه قاعدة كلية، وهو أنه يجوز حذفُ نون " يكون " مجزومةً، بشرطِ ألاَّ يليَها ضميرٌ متصل نحو :" لَم يَكُنْه " وألاَّ تُحَرَّك النون لالتقاء الساكنين نحو :
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [البينة: ١] خلافاً ليونس، فإنه أجاز ذلك مستدلاً بقوله :
فإنْ لم تَكُ المِرْآةُ أَبْدَتْ وَسامةًفقد أَبْدَتِ المرآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ
وهذا عند سيبويه ضرورةٌ، وإنما حُذفت النون لغُنَّتِها وسكونها فأشبهت الواو، وهذا بخلاف سائر الأفعال نحو :" لم يَضِنَّ " و " لم يَهُنْ " لكثرة استعمال " كان "، وكان ينبغي أن تعود الواو عند حَذْفِ هذه النون ؛ لأنها إنما حُذِفَتْ لالتقاء الساكنين وقد زال ثانيهما وهو النونُ إلا أنها كالملفوظ بها.
وقرأ الجمهور " حسنةً " نصباً على خبر " كان " الناقصة، واسمها مستتر فيها يعود على " مثقال " وإنما أَنَّث ضميرَه حملاً على المعنى ؛ لأنه بمعنى : وإنْ تكن زنةَ ذرة حسنة، أو لإِضافته إلى مؤنث فاكتسب منه التأنيث. وقرأ ابن كثير ونافع " حسنة " رفعاً على أنها التامة أي : وإنْ تقع أو توجد حسنة.
وقرأ ابن كثير وابن عامر :" يُضَعِّفْها " بالتضعيف، والباقون " يضاعفها ". قال أبو عبيدة :" ضاعفه " يقتضي مراراً كثيرة، و " ضَعَّفَ " يقتضي مرتين، وهذا عكسُ كلام العرب ؛ لأن المضاعفة تقتضي زيادة المثل، فإذا شدَّدْتَ دَلَّت البُنْية على التكثير، فيقتضي ذلك تكرير المضاعفة بحسَبِ ما يكون من العدد. وقال الفارسي :" هما لغتان بمعنًى، يدل عليه قولُه ﴿نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿فَيُضَعِّفُهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وقد تقدم لنا الكلام على هذا بأبسطَ منه هنا. وقرأ ابن هرمز :" نضاعِفْها " بالنون، وقرىء " يُضْعِفْها " بالتخفيف مِنْ أضعفه مثل أكرم.
قوله :﴿مِن لَّدُنْهُ﴾ فيه وجهان، أحدهما : أنه متعلق ب " يُؤْتِ " و " من " للابتداء مجازاً. والثاني : يتعلَّق بمحذوف على أنه حال من " أجراً " فإنه صفةُ نكرةٍ في الأصلِ قُدِّم عليها فانتصب حالاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى