فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ المثقال مفعال من الثقل، كالمقدار من القدر، وهو منتصب على أنه نعت لمفعول محذوف، أي : لا يظلم شيئاً مثقال ذرة.
والذرّة واحدة الذرّ، وهي : النمل الصغار. وقيل : رأس النملة. وقيل : الذرّة الخردلة. وقيل : كل جزء من أجزاء الهباء الذي يظهر فيما يدخل من الشمس من كوة أو غيرها ذرة. والأوّل هو المعنى اللغوي الذي يجب حمل القرآن عليه. والمراد من الكلام : أن الله لا يظلم كثيراً، ولا قليلاً، أي : لا يبخسهم من ثواب أعمالهم، ولا يزيد في عقاب ذنوبهم وزن ذرّة فضلاً عما فوقها. قوله :﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها﴾ قرأ أهل الحجاز :«حسنة » بالرفع. وقرأ من عداهم بالنصب، والمعنى على القراءة الأولى : إن توجد حسنة، على أنّ كان هي التامة لا الناقصة، وعلى القراءة الثانية : إن تك فعلته حسنة يضاعفها، وقيل : إن التقدير : إن تك مثقال الذرّة حسنة، وأنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى المؤنث، والأوّل أولى. وقرأ الحسن :" نضاعفها " بالنون، وقرأ الباقون بالياء، وهي الأرجح لقوله :﴿وَيُؤْتِ مِن لدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ وقد تقدّم الكلام في المضاعفة، والمراد : مضاعفة ثواب الحسنة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : كان كردم بن يزيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو، وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت يأتون رجالاً من الأنصار يتنصحون لهم، فيقولون : لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون ؟ فأنزل الله فيهم :﴿الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾ إلى قوله :﴿وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً﴾.
وقد أخرج ابن أبي حاتم، عنه أنها نزلت في اليهود. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير، عن سعيد بن جبير. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن ابن عباس :﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ قال : رأس نملة حمراء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله :﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً﴾ وزن ذرة زادت على سيئاته ﴿يضاعفها﴾ فأما المشرك، فيخفف به عنه العذاب، ولا يخرج من النار أبداً. وأخرج البخاري، وغيره، عن ابن مسعود قال : قال لي رسول الله ﷺ :«اقرأ عليّ»، قلت يا رسول الله آقرأ عليك، وعليك أنزل ؟ قال :«نعم إني أحبّ أن أسمعه من غيري»، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية :﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً﴾ قال :«حسبك الآن»، فإذا عيناه تذرفان. وأخرجه الحاكم، وصححه من حديث عمرو بن حريث.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله :﴿لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض﴾ يعني : أن تسوّى الأرض بالجبال، والأرض عليهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في الآية : يقول : ودّوا لو انخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ قال : بجوارحهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى