فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿يَا أَيُّهَا الذين أُوتُوا الكتاب﴾ ذكر سبحانه أوّلاً أنهم أوتوا نصيباً من الكتاب، وهنا ذكر أنهم أوتوا الكتاب. والمراد : أنهم أوتوا نصيباً منه ؛ لأنهم لم يعملوا بجميع ما فيه، بل حرّفوا وبدّلوا. وقوله :﴿مُصَدّقاً﴾ منتصب على الحال. والطمس : استئصال أثر الشيء، ومنه ﴿فإِذَا النجوم طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] يقال : نطمس بكسر الميم وضمها لغتان في المستقبل، ويقال : طمس الأثر أي : محاه كله، ومنه ﴿رَبَّنَا اطمس على أموالهم﴾ [يونس: ٨٨] أي : أهلكها، ويقال : هو مطموس البصر، ومنه :﴿وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] أي : أعميناهم.
واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية هل هو حقيقة ؟ فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين، أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم، وسلبهم التوفيق ؟ فذهب إلى الأوّل طائفة، وذهب إلى الآخر آخرون، وعلى الأوّل، فالمراد بقوله :﴿فَنَرُدَّهَا على أدبارها﴾ نجعلها قفا، أي : نذهب بآثار الوجه، وتخطيطه حتى يصير على هيئة القفا، وقيل : إنه بعد الطمس يردّها إلى موضع القفا، والقفا إلى مواضعها، وهذا هو ألصق بالمعنى الذي يفيده قوله :﴿فَنَرُدَّهَا على أدبارها﴾ فإن قيل : كيف جاز أن يهدّدهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا، ولم يفعل ذلك بهم ؟ فقيل : إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين. وقال المبرد : الوعيد باق منتظر وقال : لا بدّ من طمس في اليهود، ومسخ قبل يوم القيامة. قوله :﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت﴾ الضمير عائد إلى أصحاب الوجوه، قيل المراد باللعن هنا : المسخ لأجل تشبيهه بلعن أصحاب السبت، وكان لعن أصحاب السبت مسخهم قردة وخنازير، وقيل المراد : نفس اللعنة، وهم ملعونون بكل لسان. والمراد : وقوع أحد الأمرين : إما الطمس، أو اللعن. وقد وقع اللعن، ولكنه يقوّي الأوّل تشبيه هذا اللعن بلعن أهل أصحاب السبت. قوله :﴿وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً﴾ أي : كائناً موجوداً لا محالة، أو يراد بالأمر المأمور. والمعنى أنه متى أراده كان، كقوله :﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال : كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله ﷺ لوى لسانه، وقال : أرعنا سمعك يا محمد حتى نفهمك، ثم طعن في الإسلام وعابه، فأنزل الله فيه :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُوا نَصِيبًا منَ الكتاب﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عنه في قوله :﴿يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه﴾ يعني : يحرفون حدود الله في التوراة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله :﴿يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه﴾ قال : تبديل اليهود التوراة ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ قالوا : سمعنا ما تقول ولا نطيعك ﴿واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قال : غير مقبول ما تقول :﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ قال : خلافاً يلوون به ألسنتهم ﴿واسمع وانظرنا﴾ قال : أفهمنا لا تعجل علينا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله :﴿واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قال : يقولون اسمع لا سمعت.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال : كلم رسول الله ﷺ رؤساء من أحبار اليهود : منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، فقال لهم :«يا معشر اليهود اتقوا الله، وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق» فقالوا : ما نعرف ذلك يا محمد، وأنزل الله فيهم :﴿يَا أَيُّهَا الذين أُوتُوا الكتاب﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله :﴿من قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً﴾ قال : طمسها أن تعمي ﴿فَنَرُدَّهَا على أدبارها﴾ يقول : نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقري. ونجعل لأحدهم عينين في قفاه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿من قَبْلِ أَن نطْمِسَ وُجُوهاً﴾ يقول : عن صراط الحق ﴿فَنَرُدَّهَا على أدبارها﴾ قال : في الضلالة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن نحوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال : إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال :«وما دينه ؟» قال : يصلي ويوحد الله، قال : استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه، فطلب الرجل منه ذلك، فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ، فأخبره، فقال : وجدته شحيحاً على دينه، فنزلت :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية. وأخرج ابن الضريس، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن عدّي بسند صحيح، عن ابن عمر قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا ﷺ :«﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾» وقال :«إنيّ ادّخرت دعوتي، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عمر قال : لما نزلت :﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية قام رجل فقال : والشرك يا نبيّ الله ؟ فكره ذلك النبي ﷺ، فقال :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية. وأخرج ابن المنذر، عن أبي مجلز أن سؤال هذا الرجل هو سبب نزول :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال في هذه الآية : إن الله حرّم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته، فلم يؤيسهم من المغفرة. وأخرج الترمذي، وحسنه عن علي قال : أحبّ آية إلىّ في القرآن ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى