المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
هذا خطاب لليهود والنصارى، و ﴿لما معكم﴾ معناه من شرع وملة، لا لما كان معهم من مبدل ومغير، و «الطامس » : الدائر المغير الأعلام، كما قال ذو الرمة :[ البسيط ]
من كل نضّاخَةِ الذّفرى إذا عَرِقَتْ. . . عُرْضَتُها طامسُ الأعلامِ مجهولُ(١)
ومن ذلك قيل للأعمى المسدودة عيناه : أعمى مطموس، وقالت طائفة :«طمس الوجوه » هنا : أن تعفى أثر الحواس فيها، وتزال الخلقة منه فيرجع كسائر الأعضاء في الخلو من أعضاء الحواس، فيكون أرد على «الأدبار » في هذا الموضع بالمعنى، أي خلوه من الحواس دبراً لكونه عامراً بها، وقال ابن عباس وعطية العوفي :«طمس الوجوه » أن تزال العينان خاصة منها وترد العينان في القفا فيكون ذلك رداً على الدبر ويمشى القهقرى، وحكى الطبري عن فرقة : أن طمس الوجوه أن تتغير أعلامها وتصير منابت للشعر، فذلك هو الرد على الدبر، ورد على هذا القول الطبري، وقال مالك رحمه الله : كان أول إسلام كعب أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية :﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم﴾ فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته، فأسلم مكانه، وقال : والله لقد خفت أن لا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي، وقال مجاهد والحسن والسدي والضحاك : ذلك تجوز، وإنما المراد به وجوه الهدى والرشد، وطمسها حتم الإضلال والصد عنها والتصيير إلى الكفر، وهو الرد على الأدبار، وقال ابن زيد : الوجوه هي أوطانهم وسكناهم في بلادهم التي خرجوا إليها، وطمسها : إخراجهم منها، والرد على الأدبار : هو رجوعهم إلى الشام من حيث أتوا أولاً، و ﴿أصحاب السبت﴾ : هم أهل أيلة الذين اعتدوا في السبت في الصيد، حسبما تقدم، وكانت لعنتهم أن مسخوا خنازير وقردة، قاله قتادة والحسن والسدي : وأمر الله في هذا الموضع واحد الأمور، دال على جنسها، لا واحد الأوامر، فهي عبارة عن المخلوقات كالعذاب واللعنة هنا، أو ما اقتضاه كل موضع مما يختص به.
١ - هذا البيت لكعب بن زهير من قصيدته المعروفة: "بانت سعاد" ونضاخة: كثيرة النضخ، وهو سيلان الشيء بدرجة أكثر من النضح، والذفرى من كل حيوان: العظم الشاخص خلف الأذن، وجمعه: ذفريات وذفارى، وهو أول ما يعرق من الحيوان عند الجري. والعرضة كما جاء في اللسان: "وفلانة عرضة للأزواج، أي: قوية على الزوج، وفلان عرضة للشر، أي: قوي عليه، قال كعب بن زهير: من كل نضاخة... إلخ البيت". ثم قال: "وكذلك الاثنان والجمع". وكأن المعنى أن هذه الناقعة قوية على هذا الطريق المجهول الذي طمست فيه الأعلام، وضاعت الآثار التي يهتدي بها المسافرون..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى