تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ) هذه الآيات في قصة عائشة - رضي الله عنها - وكان سبب نزولها ما رواه الزهري، عن عروة وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة(١) كلهم عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت :«كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى سفر أقرع بين نسائه، فخرج إلى غزوة غزاها، وأقرع بين نسائه، فخرجت قرعتي » وفي رواية : أن الغزوة كانت غزوة مريسيع، وفي رواية أخرى : أن الغزوة كانت غزوة بني المصطلق، وقالت : فلما رجعنا قبل المدينة عرس رسول الله ﷺ ليلة، ثم إنهم آذنوا بالرحيل، فخرجت لحاجتي فلما قضيت شأني رجعت فالتمست صدري، فوجدت عقدا لي من جزع ظفار(٢) سقط، فرجعت، وجاء القوم الذين يرحلون هودجي، ووضعوا الهودج على البعير، وظنوا أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا، فإنما يأكلن العلقة من الطعام، فرجعت وقد مر الجيش، فلا داع ولا مجيب، وكان صفوان بن المعطل السلمي كان تأخر عن الجيش، وفي رواية : أنه كان يعتاد التأخر، حتى إن كان سقط من أحد شيء، أو ترك إنسان شيئا يأخذه، ويرده عليه، فجاء ورائي، فاسترجع وما كلمني بكلمة وقد استدلت(٣) جلبابي، فأناخ بعيره ووطأه لي حتى ركبته، وجاء يقودني حتى لحقنا بالجيش، وقد نزلوا موغرين في حر الظهيرة، قالت : فلما وصلنا إلى الجيش تكلم الناس، وهلك من هلك »(٤) الخبر بطوله.
قال الشيخ الإمام : أخبرنا بهذا الحديث المكي بن عبد الرزاق الكشميهني، أخبرنا جدي أبو الهيثم بن محمد بن يوسف الفربري [ أخبرنا ] (٥) محمد بن إسماعيل البخاري أخبرنا أبو الربيع الزهراني عن فليح بن سليمان، عن الزهري. . . الخبر.
ويروى أنه. . . تلبث الوحي [ سبعة ] (٦) وثلاثين يوما.
وفي هذا الخبر أن عائشة اشتكت واستأذنت رسول الله ﷺ، ورجعت إلى بيت أبيها، وكان رسول الله ﷺ يدخل قبل رجوعها إلى بيت أبيها، وهي مشتكية، فيقول :" كيف تيكم ؟ " ثم لما رجعت إلى بيت أبيها عرفت الخبر من قبل أم مسطح فازدادت وبقا، وجعلت تبكي، ولا يرقأ لها دمع، حتى كاد البكاء يصدع قلبها، وذكرت لذلك لأمها، فقالت لها أمها : هوني عليك فقلّما تكون امرأة وضيئة عند رجل، ولها ضرائر إلا تكلموا فيها.
وفي هذا الخبر أن النبي ﷺ دعا عليا وأسامة بن زيد، واستشارهما، فأما علي فقال يا رسول الله، إن في النساء كثرة، وأما أسامة فقال : لا أعلم منها إلا خيرا، وسل الجارية - يعني : بريرة - فسأل بريرة فقالت : لا أعلم منها إلا أنها جارية حديثة السن تعجن، فتدخل الداجن فتأكل عجينها.
وفي هذا الخبر أن النبي ﷺ جاء إلى بيت أبي بكر - رضي الله عنه - بعد أن مضت المدة التي ذكرناها، فقال :«يا عائشة، إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة : قالت : فقلص دمعي حتى ما أجد منه قطرة، ثم قلت : إن قلت أني فعلت، والله يعلم أني ما فعلت ليصدقنني، وإن قلت : لم أفعل، والله يعلم أني لم أفعل ليكذبنني، وما أعرف مثلي ومثلكم إلا ما قال أبو يوسف، ونسيت اسمه ( فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ) (٧) ثم تنحيت، فأخذ رسول الله [ ﷺ ] (٨) الوحي، قالت : وكنت أحقر في نفسي أن أظن أن الله يُنْزِل في قرآنا يتلى، ولكني كنت أظن أنه يرى رؤيا، فلما تغشاه الوحي لم أفزع لما علمت أني بريئة، والله يعلم ذلك ».
وفي بعض الروايات : أن أبوي كادت نفسهما تخرج خوفا، فلما سرى عن رسول الله ﷺ قال :«أبشري يا عائشة قد أنزل الله تعالى براءتك، وتلا الآيات :( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ) فقال لي أبي : قومي إلى رسول الله، وقالت أمي : قومي إلى رسول الله، فقلت : لا أقوم ولا أحمد إلا الله، فإن الله تعالى أنزل براءتي ».
قوله تعالى :( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ) الإفك هو أشد الكذب، وإنما سمي إفكا لأنه مصروف عن الحق. وقوله :( عصبة منكم هؤلاء العصبة هم : عبد الله بن أبي بن سلول، ومسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش زوجة طلحة بن عبد الله أخت زينب، ونفر آخرون، والعصبة العشرة فما فوقها.
وقوله :( لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ) هذا خطاب لعائشة وصفوان بن معطل فإنهم قذفوهما جميعا، وقال بعضهم : هو خطاب لعائشة ولأبويها والنبي وصفوان، ومعنى الآية : لا تحسبوه شرا لكم، يعني : هذا الإفك هو خير لكم لأجل الثواب، وما ادخر الله لهم من ذلك.
وقوله :( لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم ) أي : من الإثم بقدر ما اكتسب.
وقوله :( والذي تولى كِبْرَهُ ). وقرىء :" كبره "، وقرأ الأعرج :" كُبْرَه ". فقوله :( كِبْرَه ) أي : إثمه. وقوله :" كُبره ". أي : معظمه، قال الشاعر :
تنام عن كبر شأنها فإذاقامت [ رويدا ] (٩) تكاد تنغرف
وأما الذي تولى كبره فالأكثرون أنه عبد الله بن أبي بن سلول، وأما العذاب العظيم فهو النار في الآخرة.
وقد روى مسروق أن حسان بن ثابت استأذن على عائشة فأذنت له، فقال مسروق : أتأذنين له، وقد قال ما قال، فقالت : قد أصابه العذاب العظيم، وكان قد عمى، وقد تاب حسان من تلك المقالة ومدح عائشة فقال :
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنّ بريبةوتُصبح غَرْثَى من لُحُوم الغَوافِل
[ فإن كان ما بلغت أني قلته ] (١٠)فلا رفعت سوطي إلىّ أناملي
وعن أبي عمرو بن العلاء أنه أنكر الكُبر وقال : إنما الكُبر في الولاء والنسب. وقد ذكر غيره أن كل واحد منهما صحيح، وقد بينا.
١ - في "الأصل وك": «وعبد الله بن عبد الله بن عيينة والصحيح ما أثبتناه..
٢ - في "ك": أظفار..
٣ - في "ك": أسدلت..
٤ - متفق عليه من حديث عائشة بطوله رواه البخاري (٥/٢٩٤ رقم ٢٦٣٧، وأطرافه ٢٦٦١، ٢٨٧٩، ٤٠٢٥، ٤١٤١، ٤٦٩٠، ٦٦٦٢، ٧٣٦٩، ٧٥٠٠، ٧٥٤٥)، ومسلم (١٧/١٥٥-١٧١ رقم ٢٧٧٠)..
٥ - سقط من الناسخ..
٦ - في "الأصل وك": سبعا، والصواب ما أثبتناه..
٧ - يوسف: ١٨..
٨ - من "ك"..
٩ - من "لسان العرب" مادة: غرف، والبيت لقيس بن الخطيم..
١٠ - في "الأصل وك": فإن كنت قد قلت الذي قد بلغتم. والمثبت من تفسير القرطبي (١٢/٢٠٠)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى