الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي
عن الكتاب
أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت : كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج إلى سفر أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه.
قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ بعدما نزل الحجاب وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل فدنونا من المدينة قافلين. آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم، إنما تأكل المرأة العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فيممت منزلي الذي كنت به فظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي.
فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة واحدة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها، فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك.
وكان الذي تولى الإِفك عبد الله بن أبي ابن سلول. فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإِفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ؟ ثم ينصرف. فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهي متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط. فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد أشرعنا من ثيابنا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت : تعس مسطح فقلت لها : بئس ما قلت اتسبين رجلاً شهد بدراً ! قالت : أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال ! ؟ قلت : وما قال. . ؟ فأخبرتني بقول أهل الإِفك، فازددت مرضاً على مرضي.
فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله ﷺ فسلم ثم قال :« كيف تيكم » ؟ فقلت : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ قالت :- وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما - قالت : فأذن لي رسول الله ﷺ، فجئت لأبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس ؟ قالت يا بينة هوّني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت - سبحان الله - ولقد تحدث الناس بهذا ؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، حين استبلث الوحي يستأمرهما في فراق أهله. فأما أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله : أهلك ولا نعلم إلا خيراً، وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله : لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير، وان تسأل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال :« أي بريرة هل رأيت شيئاً يريبك » ؟ قالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله.
فقام رسول الله ﷺ فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي فقال وهو على المنبر :« يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي ؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي » فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من بني الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية فقال لسعد : كذبت لعمر الله ما تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة : كذبت لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت.
فبكيت يومي ذلك فلا يرقا لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقا لي دمع، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت على امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ ثم جلس ولم يجلس عندي منذ قيل فيّ ما قيل قبلها وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء، فَتَشَهَّدْ حين جلس ثم قال :« أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا كذا. . فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي : أجب عني رسول الله ﷺ قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ! فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله ﷺ قالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ! فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم - وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ [يوسف: ١٨].
ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرئني الله بها قالت : فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، فلما سري عن رسول الله ﷺ سري عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال :« ابشري يا عائشة أما الله فقد برأك » فقالت أمي : قومي إليه فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي. وأنزل الله ﴿إن الذين جاءوا بالإِفك عصبة منكم﴾ العشر الآيات كلها.
فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر : وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين﴾ [النور: ٢٢] إلى قوله ﴿رحيم﴾ قال أبو بكر : والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال : والله لا أنزعها منه أبداً قالت عائشة : فكان رسول الله ﷺ يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال :« يا زينب ماذا عملت أو رأيت ؟ فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ما علمت إلا خيراً قالت : وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإِفك.
وأخرج البخاري والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة قالت : لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به. قام رسول الله ﷺ في خطيبا، فتشهد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :« أما بعد أشيروا عليَّ في أناس أنبوا أهلي - وأيم الله - ما علمت على أهلي سوء، وأنبوهم بمن - والله - ما علمت عليه من سوء قط، ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي، فقام سعد بن معاذ فقال : ائذن لي يا رسول الله أن تضرب أعناقهم، وقام رجل من بني الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل فقال : كذبت أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شرقي المسجد وما علمت.
فلما كان مساء ذلك اليوم، خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت فقالت : تعس مسطح فقلت : أي أم تسبين ابنك ؟ فسكتت ثم عثرت الثانية فقالت : تعس مسطح فقلت لها : أي أم تسبين ابنك ؟ ثم عثرت الثالثة فقالت : تعس مسطح فانتهرتها فقالت : والله لم أسبه إلا فيك فقلت : في أي شأني ؟ ! فقرأت لي الحديث. فقلت وقد كان هذا ! قالت : نعم. والله. .
فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً، ووعكت فقلت لرسول الله ﷺ : أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار، فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ. فقالت أمي : ما جاء بك يا بنية ؟ فأخبرتها وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني. فقالت : يا بنية خففي عليك الشأن، فإنه - والله - لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدتها وقيل فيها.
قلت : وقد علم به أبي ؟ قالت : نعم. قلت : ورسول الله ﷺ ؟ قالت : نعم. فاستعبرت، وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق بيت يقرأ، فنزل فقال لأمي : ما شأنها ؟ قالت : بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه فقال : أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك، فرجعت.
ولقد جاء رسول الله ﷺ بيتي فسأل عني خادمي فقالت : لا والله ما علمت عليها عيباً إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة، فتأكل خميرها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال : اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لهابه فقالت - سبحان الله - ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، فبلغ إلى ذلك الرجل الذي قيل له فقال - سبحان الله - والله ما كشفت كنف أنثى قط قالت : فقتل شهيداً في سبيل الله قالت : وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول الله ﷺ وقد صلى العصر، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :« أما بعد يا عا
قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ بعدما نزل الحجاب وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل فدنونا من المدينة قافلين. آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم، إنما تأكل المرأة العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فيممت منزلي الذي كنت به فظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي.
فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة واحدة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها، فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك.
وكان الذي تولى الإِفك عبد الله بن أبي ابن سلول. فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإِفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليَّ فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ؟ ثم ينصرف. فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهي متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط. فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد أشرعنا من ثيابنا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت : تعس مسطح فقلت لها : بئس ما قلت اتسبين رجلاً شهد بدراً ! قالت : أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال ! ؟ قلت : وما قال. . ؟ فأخبرتني بقول أهل الإِفك، فازددت مرضاً على مرضي.
فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله ﷺ فسلم ثم قال :« كيف تيكم » ؟ فقلت : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ قالت :- وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما - قالت : فأذن لي رسول الله ﷺ، فجئت لأبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس ؟ قالت يا بينة هوّني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت - سبحان الله - ولقد تحدث الناس بهذا ؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، حين استبلث الوحي يستأمرهما في فراق أهله. فأما أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله : أهلك ولا نعلم إلا خيراً، وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله : لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير، وان تسأل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال :« أي بريرة هل رأيت شيئاً يريبك » ؟ قالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله.
فقام رسول الله ﷺ فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي فقال وهو على المنبر :« يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي ؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي » فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من بني الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية فقال لسعد : كذبت لعمر الله ما تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة : كذبت لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت.
فبكيت يومي ذلك فلا يرقا لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقا لي دمع، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت على امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ ثم جلس ولم يجلس عندي منذ قيل فيّ ما قيل قبلها وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء، فَتَشَهَّدْ حين جلس ثم قال :« أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا كذا. . فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي : أجب عني رسول الله ﷺ قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ! فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله ﷺ قالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ! فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم - وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ [يوسف: ١٨].
ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرئني الله بها قالت : فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، فلما سري عن رسول الله ﷺ سري عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال :« ابشري يا عائشة أما الله فقد برأك » فقالت أمي : قومي إليه فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي. وأنزل الله ﴿إن الذين جاءوا بالإِفك عصبة منكم﴾ العشر الآيات كلها.
فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر : وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين﴾ [النور: ٢٢] إلى قوله ﴿رحيم﴾ قال أبو بكر : والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال : والله لا أنزعها منه أبداً قالت عائشة : فكان رسول الله ﷺ يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال :« يا زينب ماذا عملت أو رأيت ؟ فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ما علمت إلا خيراً قالت : وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإِفك.
وأخرج البخاري والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة قالت : لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به. قام رسول الله ﷺ في خطيبا، فتشهد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :« أما بعد أشيروا عليَّ في أناس أنبوا أهلي - وأيم الله - ما علمت على أهلي سوء، وأنبوهم بمن - والله - ما علمت عليه من سوء قط، ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي، فقام سعد بن معاذ فقال : ائذن لي يا رسول الله أن تضرب أعناقهم، وقام رجل من بني الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل فقال : كذبت أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شرقي المسجد وما علمت.
فلما كان مساء ذلك اليوم، خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت فقالت : تعس مسطح فقلت : أي أم تسبين ابنك ؟ فسكتت ثم عثرت الثانية فقالت : تعس مسطح فقلت لها : أي أم تسبين ابنك ؟ ثم عثرت الثالثة فقالت : تعس مسطح فانتهرتها فقالت : والله لم أسبه إلا فيك فقلت : في أي شأني ؟ ! فقرأت لي الحديث. فقلت وقد كان هذا ! قالت : نعم. والله. .
فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً، ووعكت فقلت لرسول الله ﷺ : أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار، فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ. فقالت أمي : ما جاء بك يا بنية ؟ فأخبرتها وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني. فقالت : يا بنية خففي عليك الشأن، فإنه - والله - لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدتها وقيل فيها.
قلت : وقد علم به أبي ؟ قالت : نعم. قلت : ورسول الله ﷺ ؟ قالت : نعم. فاستعبرت، وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق بيت يقرأ، فنزل فقال لأمي : ما شأنها ؟ قالت : بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه فقال : أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك، فرجعت.
ولقد جاء رسول الله ﷺ بيتي فسأل عني خادمي فقالت : لا والله ما علمت عليها عيباً إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة، فتأكل خميرها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال : اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لهابه فقالت - سبحان الله - ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، فبلغ إلى ذلك الرجل الذي قيل له فقال - سبحان الله - والله ما كشفت كنف أنثى قط قالت : فقتل شهيداً في سبيل الله قالت : وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول الله ﷺ وقد صلى العصر، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :« أما بعد يا عا