روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿إِنَّ الذين جَاءوا بالإفك﴾ أي بأبلغ ما يكون من الكذب والافتراء وكثيراً ما يفسر بالكذب مطلقاً، وقيل : هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك، وجوز فيه فتح الهمزة والمراد به ما أفك به الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها على أن اللام فيه للعهد، وجوز حمله على الجنس قيل فيفيد القصر كأنه لا إفك إلا ذلك الإفك، وفي لفظ المجيء إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل، وتفصيل القصة ما أخرجه البخاري. وغيره عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :«كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه قالت عائشة فاقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله ﷺ بعد ما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم إنما نأكل العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فاممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فادلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته فوطىء على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل علي رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ؟ ثم ينصرف فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح فقلت لها : بئس ما قلت أتسبين رجلاً شهد بدراً ؟ قالت : أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : قلت وما قال ؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضاً على مرضي فلما رجعت إلى بيتي ودخل على رسول الله ﷺ ثم قال : كيف تيكم ؟ فقلت : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ قالت : وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما قالت : فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت أبوي فقلت لامي : يا أمتاه ما يتحدث الناس ؟ قالت : يا بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل ولها ضرائر إلا كثرن عليها قالت : فقلت سبحان الله ولقد تحدت الناس بهذا قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي فدعا رسول الله ﷺ على ابن أبي طالب.
وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله قالت : فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال : يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيراً وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك قالت : فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال : أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك ؟ قالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن فتأكل فقال رسول الله ﷺ فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت : فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي ؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية فقال لسعد : كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان من الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت قالت : فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم قالت : فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع يظناني أن البكاء فألق كبدي قالت : فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت على امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل قبلها وقد لبت شهراً لا يوحى إليه في شأني قالت : فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت الممت بذنب فاستغفري الله وتوبى إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه قالت : فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت : لأبي أجب رسول الله ﷺ فيما قال قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله فقلت لأمي : أجيبي رسول الله قالت : ما أدري ما أقول لرسول الله قالت : فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم : إني برية والله يعلم أني برية لا تصدقوني ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه برية لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله المستعان على مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني برية وأن الله مبرئني ببراءتي ولكن ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت : فوالله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه قالت : فلما سرى عن رسول الله ﷺ سرى عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها : يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت أمي : قومي إليه فقالت : والله لا أقوم ولا أحمد إلا الله وأنزل الله ﴿إِنَّ الذين جَاءوا بالإفك﴾ [النور: ١١] العشر الآيات كلها، والظاهر أن قوله تعالى :
﴿عُصْبَةٌ مّنْكُمْ﴾ خبر إن وإليه ذهب الحوفي.
وأبو البقاء، وقال ابن عطية : هو بدل من ضمير ﴿جاؤوا﴾ والخير جملة قوله تعالى :﴿مّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾ والتقدير إن فعل الذين وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون ﴿عُصْبَةٌ﴾ الخبر انتهى، ولا يخفى أنه تكلف، والفائدة في الأخبار على الأول قيل : التسلية بأن الجائين بذلك الإفك فرقة متعصبة متعاونة. وذلك من أمارات كونه إفكاً لا أصل له، وقيل : الأول أن تكون التسلية بأن ذلك مما لم يجمع عليه بل جاء به شرذمة منكم، وزعم أبو البققاء أنه بوصف العصبة بكونها منهم أفاد الخبر، وفيه نظر.
والخطاب في ﴿مّنكُمْ﴾ على ما أميل إليه لمن ساءه ذلك من المؤمنين ويدخل فيه رسول الله ﷺ. وأبو بكر. وأم رومان. وعائشة. وصفوان دخولاً أولياً، وأصل العصبة الفرقة المتعصبة قلت أو كثرت وكثر إطلاقها على العشرة فما فوقها إلى الأربعين وعليه اقتصر في الصحاح، وتطلق على أقل من ذلك ففي مصحف حفصة عصبة أربعة. وقد صح أن عائشة رضي الله تعالى عنها عدت المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول. وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب رضي الله تعالى عنها. وزوجة طلحة بن عبيد الله. ومسطح ابن أثاثة. وحسان بن ثابت، ومن الناس من برأ حسان وهو خلاأف ما في صحيح البخاري وغيره.
نعم الظاهر أنه رضي الله تعالى عنه لم يتكلم به عن صميم قلت وإنما نقله عن ابن أبي لعنه الله تعالى، وقد جاء أنه رضي الله تعالى عنه اعتذر عما نسب إليه في شأن عائشة رضي الله تعالى عنها فقال :
حصان رزان ماتزن بريبةوتصبح غرثي من لحوم الغوافل
حليلة خير الناس دينا ومنصبانبي الهدى ذي المكرمات الفواضل
عقيلة حي من لؤي بن غالبكرما المساعي مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمهاوطهرها من كل سوء وباطل
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتموفلا رفعت سوطي إلى أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتيلآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على الناس كلهمتقاصر عنه سورة المتطاول
فإن الذي قد قيل ليس بلائطولكنه قول امرىء بي ما حل
وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تكرمه بعد ذلك وتذكره بخير وإن صح أنها قالت له حين أنشدها أول هذه الأبيات : لكنك لست كذلك، فقد أخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تأذن لحسان وتدعو له بالوسادة وتقول : لا تؤذوا حساناً فإنه كان ينصر رسول الله ﷺ بلسانه.
وأخرج ابن جرير من طريق الشعبي عنها أنها قالت : ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان وما تمثلت به الأرجوت له الجنة قوله لأبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب :
هجوت محمداً وأجبت عنهوعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبى ووالدتي وعرضيلعرض محمد منكم وقاء
أتشتمه ولست له بكفؤفشركما لخيركما الفداء
لساني صارم لا عيب فيهوبحري لا تكدره الدلاء
وعد بعضهم مع الأربعة المذكورين زيد بن رغافة ولم نر فيه نقلاً صحيحاً، وقيل إنه خطأ، ومعنى ﴿مّنكُمْ﴾ من أهل ملتكم وممن ينتمي إلى الإسلام سواء كان كذلك في نفس الأمر أم لا فيشمل ابن أبي لأنه ممن ينتمي إلى الإسلام ظاهراً وإن كان كافراً في نفس الأمر، وقيل إن قوله تعالى :﴿مّنكُمْ﴾ خارج مخرج الأغلب وأغلب أولئك العصبة مؤمنون مخ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى