فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
خبر «إن » من قوله ﴿إِنَّ الذين جَاءُو بالإفك﴾ هو :﴿عُصْبَةٌ﴾، و ﴿مّنكُمْ﴾ صفة لعصبة، وقيل : هو ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾، وتكون عصبة بدلا من فاعل جاءُوا. قال ابن عطية : وهذا أنسق في المعنى، وأكثر فائدة من أن يكون الخبر عصبة، وجملة ﴿لا تحسبوه﴾، وإن كانت طلبية، فجعلها خبراً يصح بتقدير كما في نظائر ذلك، والإفك : أسوأ الكذب وأقبحه، وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه. فالإفك : هو الحديث المقلوب، وقيل : هو البهتان. وأجمع المسلمون على أن المراد بما في الآية : ما وقع من الإفك على عائشة أمّ المؤمنين، وإنما وصفه الله بأنه إفك ؛ لأن المعروف من حالها رضي الله عنها خلاف ذلك، قال الواحدي : ومعنى القلب في هذا الحديث الذي جاء به أولئك النفر : أن عائشة رضي الله عنها كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة، وشرف النسب والسبب لا القذف، فالذين رموها بالسوء قلبوا الأمر عن وجهه، فهو إفك قبيح، وكذب ظاهر، والعصبة : هم الجماعة من العشرة إلى الأربعين، والمراد بهم هنا : عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، زيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم. وقيل : العصبة من الثلاثة إلى العشرة، وقيل : من عشرة إلى خمسة عشر. وأصلها في اللغة : الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض، وجملة ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾ إن كانت خبراً لإنّ فظاهر، وإن كان الخبر عصبة كما تقدّم فهي مستأنفة، خوطب بها النبي ﷺ، وعائشة، وصفوان بن المعطل الذي قذف مع أمّ المؤمنين، وتسلية لهم، والشرّ ما زاد ضرّه على نفعه، والخير ما زاد نفعه على ضرّه، وأما الخير الذي لا شرّ فيه فهو الجنة، والشرّ الذي لا خير فيه فهو النار، ووجه كونه خيراً لهم أنه يحصل لهم به الثواب العظيم مع بيان براءة أمّ المؤمنين، وصيرورة قصتها هذه شرعاً عامًّا ﴿لِكُلّ امرئ مّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم﴾ أي بسبب تكلمه بالإفك ﴿والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قرأ الحسن، والزهري، وأبو رجاء، وحميد الأعرج، ويعقوب، وابن أبي علية، ومجاهد، وعمرة بنت عبد الرحمن بضمّ الكاف. قال الفرّاء : وهو وجه جيد، لأن العرب تقول : فلان تولى عظيم كذا وكذا أي : أكبره، وقرأ الباقون بكسرها. قيل : هما لغتان، وقيل : هو بالضم معظم الإفك، وبالكسر البداءة به، وقيل : هو بالكسر : الإثم. فالمعنى : إن الذي تولى معظم الإفك من العصبة له عذاب عظيم في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما.
واختلف في هذا الذي تولى كبره من عصبة الإفك من هو منهم ؟ فقيل : هو عبد الله بن أبيّ، وقيل : هو حسان، والأوّل هو الصحيح. وقد روى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي ﷺ جلد في الإفك رجلين وامرأة، وهم مسطح ابن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش. وقيل : جلد عبد الله بن أبيّ، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ولم يجلد مسطحاً، لأنه لم يصرح بالقذف، ولكن كان يسمع ويشيع من غير تصريح. وقيل : لم يجلد أحداً منهم. قال القرطبي : المشهور من الأخبار، والمعروف عند العلماء : أن الذين حدّوا : حسان، ومسطح، وحمنة. ولم يسمع بحدّ لعبد الله بن أبيّ، ويؤيد هذا ما في سنن أبي داود عن عائشة، قالت : لما نزل عذري، قام النبي ﷺ فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدّهم، وسماهم : حسان، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش.
واختلفوا في وجه تركه ﷺ لجلد عبد الله بن أبيّ، فقيل : لتوفير العذاب العظيم له في الآخرة، وحدّ من عداه ليكون ذلك تكفيراً لذنبهم كما ثبت عنه ﷺ في الحدود أنه قال :«إنها كفارة لمن أقيمت عليه » وقيل : ترك حدّه تألفاً لقومه، واحتراماً لابنه، فإنه كان من صالحي المؤمنين، وإطفاء لنائرة الفتنة، فقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ومن معه كما في صحيح مسلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم حديث عائشة الطويل في سبب نزول هذه الآيات بألفاظٍ متعدّدة، وطرق مختلفة. حاصله أن سبب النزول هو ما وقع من أهل الإفك الذين تقدّم ذكرهم في شأن عائشة رضي الله عنها، وذلك أنها خرجت من هودجها تلتمس عقداً لها انقطع من جزع، فرحلوا وهم يظنون أنها في هودجها، فرجعت، وقد ارتحل الجيش، والهودج معهم، فأقامت في ذلك المكان، ومرّ بها صفوان بن المعطل، وكان متأخراً عن الجيش، فأناخ راحلته، وحملها عليها ؛ فلما رأى ذلك أهل الإفك قالوا ما قالوا، فبرأها الله مما قالوه. هذا حاصل القصة مع طولها، وتشعب أطرافها فلا نطول بذكر ذلك. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، وأهل السنن الأربع، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت : لما نزل عذري قام رسول الله ﷺ على المنبر فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدّهم. قال الترمذي : هذا حديث حسن. ووقع عند أبي داود تسميتهم : حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال : الذين افتروا على عائشة عبد الله بن أبيّ بن سلول، ومسطح، وحسان، وحمنة بنت جحش.
وأخرج البخاري، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال : كنت عند الوليد بن عبد الملك، فقال : الذي تولى كبره منهم علىّ، فقلت لا، حدثني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم سمع عائشة تقول : الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبيّ، قال : فقال لي : فما كان جرمه ؟ قلت : حدّثني شيخان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنهما سمعا عائشة تقول : كان مسيئاً في أمري. وقال يعقوب بن شيبة في مسنده : حدّثنا الحسن بن عليّ الحلواني، حدّثنا الشافعي، حدّثنا عمي قال : دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له : يا سليمان الذي تولى كبره من هو ؟ قال : عبد الله بن أبيّ. قال : كذبت هو عليّ. قال : أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري فقال : يا ابن شهاب من الذي تولّى كبره ؟ فقال : ابن أبيّ. قال : كذبت هو عليّ. قال : أنا أكذب ؟ لا أبا لك، والله لو نادى منادٍ من السماء أن الله قد أحلّ الكذب ما كذبت، حدّثني عروة وسعيد وعبد الله وعلقمة عن عائشة : أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ، وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال : دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب وقال :
قالت : لكنك لست كذلك، قلت : تدعين مثل هذا يدخل عليك، وقد أنزل الله ﴿والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فقالت : وأيّ عذاب أشدّ من العمى ؟. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر عن بعض الأنصار : أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال : بلى وذلك الكذب، أكنت أنت فاعلة ذلك يا أمّ أيوب ؟ قالت : لا والله، قال : فعائشة والله خير منك وأطيب، إنما هذا كذب وإفك باطل ؛ فلما نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك. ثم قال :﴿لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هذا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ أي كما قال أبو أيوب، وصاحبته. وأخرج الواقدي، والحاكم، وابن عساكر عن أفلح مولى أبي أيوب : أن أمّ أيوب... فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس :﴿يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾ قال : يحرّج الله عليكم. وأخرج البخاري في الأدب، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عليّ بن أبي طالب قال : القائل الفاحشة، والذي شيع بها في الإثم سواء. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿مَا زَكَى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ قال : ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير.
واختلف في هذا الذي تولى كبره من عصبة الإفك من هو منهم ؟ فقيل : هو عبد الله بن أبيّ، وقيل : هو حسان، والأوّل هو الصحيح. وقد روى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي ﷺ جلد في الإفك رجلين وامرأة، وهم مسطح ابن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش. وقيل : جلد عبد الله بن أبيّ، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ولم يجلد مسطحاً، لأنه لم يصرح بالقذف، ولكن كان يسمع ويشيع من غير تصريح. وقيل : لم يجلد أحداً منهم. قال القرطبي : المشهور من الأخبار، والمعروف عند العلماء : أن الذين حدّوا : حسان، ومسطح، وحمنة. ولم يسمع بحدّ لعبد الله بن أبيّ، ويؤيد هذا ما في سنن أبي داود عن عائشة، قالت : لما نزل عذري، قام النبي ﷺ فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدّهم، وسماهم : حسان، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش.
واختلفوا في وجه تركه ﷺ لجلد عبد الله بن أبيّ، فقيل : لتوفير العذاب العظيم له في الآخرة، وحدّ من عداه ليكون ذلك تكفيراً لذنبهم كما ثبت عنه ﷺ في الحدود أنه قال :«إنها كفارة لمن أقيمت عليه » وقيل : ترك حدّه تألفاً لقومه، واحتراماً لابنه، فإنه كان من صالحي المؤمنين، وإطفاء لنائرة الفتنة، فقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ومن معه كما في صحيح مسلم.
وأخرج البخاري، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال : كنت عند الوليد بن عبد الملك، فقال : الذي تولى كبره منهم علىّ، فقلت لا، حدثني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم سمع عائشة تقول : الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبيّ، قال : فقال لي : فما كان جرمه ؟ قلت : حدّثني شيخان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنهما سمعا عائشة تقول : كان مسيئاً في أمري. وقال يعقوب بن شيبة في مسنده : حدّثنا الحسن بن عليّ الحلواني، حدّثنا الشافعي، حدّثنا عمي قال : دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له : يا سليمان الذي تولى كبره من هو ؟ قال : عبد الله بن أبيّ. قال : كذبت هو عليّ. قال : أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري فقال : يا ابن شهاب من الذي تولّى كبره ؟ فقال : ابن أبيّ. قال : كذبت هو عليّ. قال : أنا أكذب ؟ لا أبا لك، والله لو نادى منادٍ من السماء أن الله قد أحلّ الكذب ما كذبت، حدّثني عروة وسعيد وعبد الله وعلقمة عن عائشة : أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ، وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال : دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب وقال :
| حصان رزان ما تزنّ بريبة | وتصبح غرثى من لحوم الغوافل |