اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ «لَوْلاَ » هذه تحضيضية، أي : هَلاَّ، وذلك كثير في اللغة إذا كانت تلي الفعل كقوله :«لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي »(١) وقوله :«فَلَوْلاَ(٢) كَانَتْ » (٣).
فأما إذا ولي الاسم فليس كذلك كقوله :﴿لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾(٤) [سبأ: ٣١]، ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾(٥) [النور: ٢١]. و «إذْ » منصوب ب «ظَنَّ » والتقدير : لولا ظَنَّ المؤمنون بأنفسهم إذ سَمِعْتُمُوه. وفي هذا الكلام التفات. قال الزمخشري : فإن قلت : هلا قيل : لولا إذ سمعتموه، ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم، ولِمَ عَدَل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر ؟ قلت : ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان دلالة على أن الاشتراك فيه مقتض ألا يصدق ( أحد قالةً في أخيه، وألا يظن بالمسلمين إلا خيراً ) (٦).
وقوله(٧) :«وَلِمَ عدل عن الخطاب » ؟ يعني في قوله :«وَقَالُوا » فإنه كان الأصل :«وقلتم »، فعدل عن هذا الخطاب إلى الغيبة في «وَقَالُوا ».
وقوله(٨) :«وعن الضمير » يعني أن الأصل كان «ظَنَنْتُمْ » فعدل عن ضمير الخطاب إلى لفظ المؤمنين.

فصل


المعنى : هلاَّ ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بإخوانهم «خَيْراً ».
وقال الحسن : بأهل دينهم، لأن المؤمنين كنفس واحدة، كقوله :﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾(٩) [النساء: ٢٩] ﴿فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ﴾(١٠) [النور: ٦١] المعنى : بأمثالكم المؤمنين.
وقيل : جعل المؤمنين كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الأمور، فإذا جرى على أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم، كما قال عليه السلام(١١) «مَثَلُ المُسْلِمينَ في تَوَاصُلِهِمْ وتراحُمِهِمْ كمثل الجَسَد إذا وجع بعضه وجع كله بالسَّهر والحُمَّى »(١٢)، وقال عليه السلام(١٣) :«المؤمنُون كالبُنْيَانِ يشدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً(١٤) »(١٥).
وقوله :﴿هاذا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ أي : كذب بين(١٦).
١ من قوله تعالى: ﴿لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين﴾ [المنافقون: ١٠]..
٢ في ب: فلو وهو تحريف..
٣ من قوله تعالى: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين﴾ [يونس: ٩٨]..
٤ [سبأ: ٣١]..
٥ [النساء: ٨٣]، [النور: ١٠، ١٤، ٢٠، ٢١]. وانظر ذلك في حروف المعاني للزجاجي (٣ – ٥)، ومعاني الحروف للرماني (١٢٣ – ١٢٤)، المغني (١/١٧١ – ١٧٦)..
٦ ما بين القوسين فيه اختلاف في ألفاظ الكشاف. انظر الكشاف ٣/٦٥..
٧ الضمير في: وقوله للزمخشري..
٨ الضمير في: وقوله للزمخشري..
٩ [النساء: ٢٩]..
١٠ من قوله تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ [النور: ٦١]. وانظر البغوي ٦/٧٩ – ٨٠..
١١ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٢ أخرجه البخاري (أدب) ٣/٥٣، مسلم (بر) ٤/١٩٩٩- ٢٠٠٠..
١٣ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٤ أخرجه البخاري (صلاة) ١/٩٥، (مظالم) ٣/٦٧، (أدب) ٤/٥٥، مسلم (بر) ٤/١٩٩٩ الترمذي (بر) ٣/٢١٨، النسائي (زكاة) ٥/٧٩، أحمد ٤/٤٠٤، ٤٠٥، ٤٠٩..
١٥ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٧٨..
١٦ معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٣٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى