التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن اتباع خطوات الشيطان، فقال :﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشآء والمنكر...﴾.
والخطوات : جمع خطوة. وهى فى الأصل تطلق على ما بين القدمين. والمراد بها هنا : طرقه ومسالكه ووساوسه، التى منها الإصغاء إلى حديث الإفك، والخوض فيه.
وما يشبه ذلك من الأقوال الباطلة، والأفعال القبيحة.
أى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان، احذروا أن تسلكوا المسالك التى يغريكم بسلوكها الشيطان، فإن الشيطان وظيفتها الإغراء بالشر لا بالخير، والأمر بالفحشاء والمنكر، وليس بالفضائل والمعروف.
وجواب الشرط فى قوله :﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ محذوف، والتقدير : ومن يتبع خطوات الشيطان يقع فى الضلال والعصيان، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر.
وخاطبهم - سبحانه - بصفة الإيمان، لتحريك قوة الإيمان فى قلوبهم، ولتهييجهم على الاستجابة لما أرشدهم إليه - سبحانه -.
وقوله - سبحانه - ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً...﴾ بيان لمظاهر فضله - تعالى - ولطفه بعباده المؤمنين.
والمراد بالتزكية هنا : التطهير من أرجاس الشرك، ومن الفسوق والعصيان.
أى : ولولا فضل الله عليكم - أيها المؤمنون - ورحمته بكم - ما طهر أحد منكم من دنس الذنوب والمعاصى طول حياته، ولكن الله - تعال - بفضله ورحمته يطهر من يشاء تطهيره من الأرجاس والأنجاس. بأن يقبل توبته. ويغسل حوبته.
" والله " - تعالى - " سميع " لدعاء عباده ومناجاتهم إياه " عليم " بما يسرونه وما يعلنونه من أقوال وأفعال.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى