محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
ثم أشار تعالى إلى ما يؤكد التبرئة من شاهد العرف والعادة، في أنه لا يضم الشكل إلى شكله، ولا يساق الأهل إلى أهله، بقوله سبحانه :
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ أي من النساء ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ أي من الرجال ﴿وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ أي بحيث لا يكاد يتجاوز كل واحد إلى غيره. و( الطيب ) ضد الخبيث وهو الأفضل من كل شيء والأحسن والأجود. قال أبو السعود : وحيث كان رسول الله ﷺ أطيب الأطيبين، وخيرة الأولين والآخرين، تبين كون الصديقة رضي الله عنها من أطيب الطيبات بالضرورة. واتضح بطلان ما قيل في حقها من الخرافات، حسبما نطق به قوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وهو الجنة. وبهذه الآية تم نبأ أهل الإفك.
وعلم أن ما اشتملت عليه هذه الآيات من الأحكام والفوائد والمطالب والآداب، لا تفي بها مجلدات. إلا أنا نشير إلى شيء من ذلك، نقتبسه من أهم المراجع، تتميما لما أجملناه في تأويلها.
فالأول : أن نبأ الإفك كان في غزوة المريسيع ( تصغير مرسوع، بئر أو ماء لخزاعة ) وكانت في شعبان سنة خمس. وسببها أن رسول الله ﷺ بلغه أن الحارث بن أبي ضرار، سيد بني المصطلق سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريد حرب رسول الله ﷺ. فخرج رسول الله ﷺ بمن معه من أصحابه. وخرج معهم جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها، فأغار عليهم. فسبى ذراريهم وأموالهم. وكانت عائشة رضي الله عنها قد خرجت معه، عليه الصلاة والسلام، في هذه الغزوة، بقرعة أصابتها. وكانت تلك عادته مع نسائه. فلما رجعوا من الغزوة، نزلوا في بعض المنازل. فخرجت عائشة لحاجتها ففقدت عقدا لأختها كانت أعارتها إياه. فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها. فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها، فظنوها فيه، فحملوا الهودج، ولا ينكرون خفته، لأنها رضي الله عنها كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها. وأيضا، فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج، لم ينكروا خفته. ولو كان الذي حمله واحدا أو اثنين لم يخف عليهما الحال. فرجعت عائشة إلى منزلهم وقد أصابت العقد، فإذا ليس لها داع ولا مجيب. فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها. والله غالب على أمره، يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء فغلبتها عيناها فنامت فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل ( بفتح الطاء المشددة سلمي ذكواني صحابي فاضل متقدم الإسلام ) : إنا لله وإنا إليه راجعون. زوجة رسول الله ﷺ. وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم كما جاء عنه في ( صحيح أبي حاتم ) وفي ( السنن ). فلما رآها عرفها. كان يراها قبل نزول الحجاب. فاسترجع وأناخ راحلته، فقربها إليها. فركبتها. وما كلمها كلمة واحدة. ولم تسمع منه إلا استرجاعه. ثم سار بها يقودها حتى قدم بها، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به. ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفسا. فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه. فجعل يستحكي الإفك ويستوشيه ويشيعه ويذيعه ويجمعه ويفرقه. وكان أصحابه يتقربون إليه. فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله ﷺ ساكت لا يتكلم. ثم استشار أصحابه في فراقها، فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يفارقها ويأخذ غيرها، تلويحا لا تصريحا. وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها، وألا يلتفت إلى كلام الأعداء. فعلي، لما رأى ما قيل مشكوك فيه، أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين، ليتخلص رسول الله ﷺ من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس فأشار بحسم الداء. وأسامة لما علم حب رسول الله ﷺ لها ولأبيها، وعلم من عفتها وبراءتها وحصانتها وديانتها. ما هي فوق ذلك وأعظم منه، وعرف من كرامة رسول الله ﷺ على ربه ومنزلته عنده ودفاعه عنه ؛ أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته، من النساء وبنت صديقه بالمنزل الذي أنزلها به أرباب الإفك. وأن رسول الله ﷺ أكرم على ربها من أن يبتليها بالفاحشة وهي تحت رسوله. ومن قويت معرفة الله ومعرفة رسوله وقدره عند الله في قلبه – قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة، لما سمعوا ذلك :﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ وتأمل ما في تسبيحهم لله وتنزيههم له في ذلك المقام، من المعرفة به وتنزيهه عما لا يليق به أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم الخلق عليه، امرأة خبيثة بغيا. فمن ظن به سبحانه هذا الظن، فقد ظن به السوء. وعرف أهل المعرفة بالله ورسوله، أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها. كما قال تعالى :﴿الخبيثات للخبيثين﴾ لا يشكون فيه، أن هذا بهتان عظيم وفرية ظاهرة.
فإن قيل : فما بال رسول الله ﷺ توقف في أمرها وسأل عنها وبحث واستشار وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده فيما يليق به. وهلا قال : سبحانك هذا بهتان عظيم، كما قاله فضلاء الصحابة ؟ فالجواب : أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا لها، وامتحانا وبلاء لرسوله ﷺ ولجميع الأمة إلى يوم القيامة. ليرفع بهذه القصة أقواما ويضع بها آخرين. ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا. واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله ﷺ الوحي شهرا في شأنها. لا يوحي إليه في ذلك بشيء ليتم حكمته التي قدرها وقضاها، ويظهر على أكمل الوجوه، ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده. ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا. ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبيها. وتتم نعمة الله عليهم، ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبيها، والافتقار إلى الله، والذل له، وحسن الظن به، والرجاء له. ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق. ولهذا وفت لهذا المقام حقه، لما قال لها أبوها :( قومي إليه، وقد أنزل الله عليها براءتها، فقالت : والله ! لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي ).
وأيضا، فكان من حكمة حبس الوحي شهرا، أن القضية نضجت وتمخضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف، إلى ما يوحيه الله إلى رسوله فيها. وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع. فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله ﷺ وأهل بيته، والصديق وأهله وأصحابه، والمؤمنون. فورد عليهم ورود الغيث على الأرض، أحوج ما كانت إليه. فوقع منهم أعظم موقع وألطفه. وسروا به أتم السرور، وحصل لهم به غاية الهناء، . فلو أطلع الله رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة، وأنزل الوحي على الفور بذلك، لفاتت هذه الحكم وأضعافها، بل أضعاف أضعافها.
وأيضا، فإن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عندهم، وكرامتهم عليه. وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه، والرد على أعدائه، وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل ولا ينسب إليه، بل يكون هو وحده المتولي، لذلك، الثائر لرسوله وأهل بيته.
وأيضا، فإن رسول الله ﷺ كان هو المقصود بالأذى. والتي رميت زوجته. فلم يكن يليق أن يشهد براءتها. مع علمه، أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها، ولم يظن بها سوءا قط، وحاشاه وحاشاها. ولذلك لما استعذر من أهل الإفك. قال :( من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي ؟ والله ! ما علمت على أهلي إلا خيرا. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا. وما كان يدخل على أهلي إلا معي ). فكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين. ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه وحسن ظنه بربه، وثقته به، وفّى مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقه. حتى جاءه الوحي بما أقر عينه وسر قلبه وعظم قدره وظهر لأمته احتفال ربه به واعتناؤه بشأنه.
ولما جاء الوحي ببراءتها أمر رسول الله ﷺ بمن صرح بالإفك، فحدوا ثمانين ثمانين. ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي، مع أنه رأس الإفك. فقيل : لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة. والخبيث ليس أهلا لذلك. وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة. فيكفيه ذلك عن الحد. وقيل : بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه، ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه وقيل : الحد لا يثبت إلا بالإقرار أو بينة. وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد. فإنه إنما كان يذكره بين أصحابه ولم يشهدوا عليه. ولم يكن يذكره بين المؤمنين وقيل : حد القذف حق الآدمي، لا يستوفى إلا بمطالبته. وإن قيل إنه حق لله فلا بد من مطالبة المقذوف وعائشة لم تطالب به ابن أبي. وقيل : بل ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته. كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مرارا. وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام. فإنه كان مطاعا فيهم رئيسا عليهم. فلم يؤمن إثارة فتنة في حده ولعله ترك لهذه الوجوه كلها. فجلد مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش. وهؤلاء من المؤمنين الصادقين، تطهيرا لهم وتكفيرا. وترك عدو الله ابن أبي إذا فليس هو من أهل ذاك – هذا ما أفاده الإمام ابن القيم رحمه الله في ( زاد المعاد ) وهو خلاصة الروايات في هذا الباب.
ثم قال رحمه الله : ومن تأمل قول الصديقة، وقد نزلت براءتها، فقال لها أبوها :( قومي إلى رسول الله ﷺ فقالت : والله ! لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ) – علم معرفتها وقوة إيمانها وتوليتها النعمة لربها، وإفراده بالحمد في ذلك المقام، وتجديدها التوحيد، وقوة جأشها وإذلالها ببراءة ساحتها، وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له. ولثقتها بمحبة رسول الله ﷺ لها، قالت ما قالت. إذلالا للحبيب على حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإذلال، فوضعته موضعه. والله ! ما كان أحبها إليه حين قالت :( لا أحمد إلا الله فإنه هو الذي أنزل براءتي والله ! ) ذلك الثبات والرزانة منها، وهو أحب شيء إليها، ولا صبر لها عنه. وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرا. ثم صادفت الرضاء منه والإقبال، فلم تبادر إلى القيام إليه، والسرور برضاه وقربه، مع شدة محبتها له. وهذا غاية الثبات والقوة انتهى.
وطرق حديث الإفك متعددة عن أم المؤمنين عائشة وعن ابن الزبير وأم رومان وابن عباس وأبي هريرة وأبي اليسر. ورواه من التابعين عشرة كما في ( فتح الباري ) وذلك في ( المسانيد ) و( الصحاح ) و( السنن ) وغيرها. ما بين مطول وموجز. ومن الثاني ما أ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى