أحكام القرآن — ابن العربي
عن الكتاب
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾.
فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ :﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ﴾.
يُرِيدُ يَشْتُمُونَ. وَاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ الرَّمْيِ، لِأَنَّهُ إذَايَةٌ بِالْقَوْلِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ الْقَذْفُ. ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ السَّحْمَاءِ، وَقَالَ أَبُو كَبْشَةَ :
* وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ الْيَدِ *
وَقَالَ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ :﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ﴾
مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهِ مَوْضِعَ رَفْعٍ أَوْ نَصْبٍ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ وَالزَّانِيَةِ وَالزَّانِي سَوَاءٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ :﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾
قَدْ بَيَّنَّا الْإِحْصَانَ وَأَقْسَامَهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَقُلْنَا : إنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْعِفَّةِ ؛ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْعِفَّةُ هَاهُنَا.
وَشُرُوطُ الْقَذْفِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ تِسْعَةٌ : شَرْطَانِ فِي الْقَاذِفِ، وَشَرْطَانِ فِي الْمَقْذُوفِ بِهِ، وَخَمْسَةٌ فِي الْمَقْذُوفِ.
فَأَمَّا الشَّرْطَانِ اللَّذَانِ فِي الْقَاذِفِ : فَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ.
وَأَمَّا الشَّرْطَانِ فِي الشَّيْءِ الْمَقْذُوفِ مِنْهُ : فَهُوَ أَنْ يَقْذِفَهُ بِوَطْءٍ يَلْزَمُهُ فِيهِ الْحَدُّ، وَهُوَ الزِّنَا أَوْ اللِّوَاطُ، أَوْ يَنْفِيهِ من أَبِيهِ، دُونَ سَائِرِ الْمَعَاصِي.
وَأَمَّا الْخَمْسُ الَّتِي فِي الْمَقْذُوفِ فَهِيَ : الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعِفَّةُ عَنْ الْفَاحِشَةِ الَّتِي رُمِيَ بِهَا كَانَ عَفِيفًا عَنْ غَيْرِهَا أَوْ لَا.
فَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ فِي الْقَاذِفِ ؛ فَلِأَنَّهُمَا أَصْلَا التَّكْلِيفِ ؛ إذْ التَّكْلِيفُ سَاقِطٌ دُونَهُمَا، وَإِنَّمَا شَرَطْنَاهُمَا فِي الْمَقْذُوفِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي مَعَانِي الْإِحْصَانِ لِأَجْلِ أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وُضِعَ لِلزَّجْرِ عَنْ الْإِذَايَةِ بِالْمَعَرَّةِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْمَقْذُوفِ، وَلَا مَعَرَّةَ عَلَى مَنْ عَدِمَ الْعَقْلَ وَالْبُلُوغَ ؛ إذْ لَا يُوصَفُ الْوَطْءُ فِيهِمَا وَلَا مِنْهُمَا بِأَنَّهُ زِنًا.
وَأَمَّا شَرْطُ الْإِسْلَامِ فِيهِ ؛ فَلِأَنَّهُ من مَعَانِي الْإِحْصَانِ وَأَشْرَفِهَا، كَمَا بَيَّنَّاهُ من قَبْلُ، وَلِأَنَّ عِرْضَ الْكَافِرَ لَا حُرْمَةَ لَهُ يَهْتِكُهَا الْقَذْفُ، كَالْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ لَا حُرْمَةَ لِعِرْضِهِ ؛ بَلْ هُوَ أَوْلَى لِزِيَادَةِ الْكُفْرِ عَلَى الْمُعْلِنِ بِالْفِسْقِ.
وَأَمَّا شَرَفُ الْعِفَّةِ ؛ فَلِأَنَّ الْمَعَرَّةَ لَاحِقَةٌ بِهِ، وَالْحُرْمَةُ ذَاهِبَةٌ، وَهِيَ مُرَادَةٌ هَاهُنَا إجْمَاعًا. وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَإِنَّمَا شَرَطْنَاهَا لِأَجْلِ نُقْصَانِ عِرْضِ الْعَبْدِ عَنْ عِرْضِ الْحُرِّ، بِدَلِيلِ نُقْصَانِ حُرْمَةِ دَمِهِ عَنْ دَمِهِ ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْمُرَادُ بِالرَّمْيِ هَاهُنَا التَّعْبِيرُ بِالزِّنَا خَاصَّةً ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ زَوْجَهُ بِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك ).
وَالنُّكْتَةُ الْبَدِيعَةُ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ :﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، وَاَلَّذِي يَفْتَقِرُ إلَى أَرْبَعَةِ شُهَدَاءِ هُوَ الزِّنَا ؛ وَهَذَا قَاطِعٌ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ :﴿يَرْمُونَ﴾
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِالزِّنَا كَانَ قَذْفًا وَذَنْبًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ ؛ فَإِنَّ عَرَّضَ وَلَمْ يُصَرِّحْ، فَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ قَذْفٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ بِقَذْفٍ. وَمَالِكٌ أَسَدُّ طَرِيقَةٍ فِيهِ ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيضَ قَوْلٌ يَفْهَمُ مِنْهُ سَامِعُهُ الْحَدَّ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا، كَالتَّصْرِيحِ. وَالْمُعَوَّلُ عَلَى الْفَهْمِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ :﴿إنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ وَقَالَ فِي أَبِي جَهْلٍ :﴿ذُقْ إنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ وَهَذَا ظَاهِرٌ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَإِنْ قَالَ لَهُ : يَا مَنْ وَطِئَ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : فِيهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ. وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا حَدَّ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهُ إلَى فِعْلٍ لَا يُعَدُّ زِنًا إجْمَاعًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَصْوَبُ من جِهَةِ التَّعْرِيضِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إذَا رَمَى صَبِيَّةً يُمْكِنُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ بِالزِّنَا كَانَ قَذْفًا عِنْدَ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَيْسَ بِقَذْفٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا ؛ إذْ لَا حَدَّ عَلَيْهَا.
وَعَوَّلَ مَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ تَعْيِيرٌ تَامٌّ بِوَطْءٍ كَامِلٍ، فَكَانَ قَذْفًا. وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ مُشْكِلَةٌ، لَكِنْ مَالِكٌ غَلَّبَ حِمَايَةَ عِرْضِ الْمَقْذُوفِ، وَغَيْرُهُ رَاعَى حِمَايَةَ طُهْرِ الْقَاذِفِ. وَحِمَايَةُ عِرْضِ الْمَقْذُوفِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْقَاذِفَ كَشَفَ سِتْرَهُ بِطَرْفِ لِسَانِهِ فَلَزِمَهُ الْحَدُّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ :﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾
كَثَّرَ اللَّهُ عَدَدَ الشُّهُودِ فِي الزِّنَا عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ رَغْبَةً فِي السَّتْرِ عَلَى الْخَلْقِ، وَحَقَّقَ كَيْفِيَّةَ الشَّهَادَةِ حَتَّى رَبَطَ أَنْ يَقُولَ : رَأَيْت ذَلِكَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ مِنْهَا ؛ أَيْ الْمِرْوَدَ فِي الْمُكْحُلَةِ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْأَحَادِيثِ من قَبْلُ.
فَلَوْ قَالُوا : رَأَيْنَاهُ يَزْنِي بِهَا الزِّنَا الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَكُونُونَ قَذَفَةً.
وَقَالَ غَيْرُهُ : إذَا كَانُوا فُقَهَاءَ وَالْقَاضِي فَقِيهًا كَانَتْ شَهَادَةً.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ عَدَدَ الشُّهُودِ تَعَبُّدٌ، وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ تَعَبُّدٌ، وَصِفَتُهَا تَعَبُّدٌ، فَلَا يُبَدَّلَ شَيْءٌ مِنْهَا بِغَيْرِهِ، حَتَّى قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إنَّ من شَرْطِ أَدَاءِ الشُّهُودِ لِلشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ افْتَرَقُوا لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مُجْتَمَعِينَ وَمُفْتَرِقِينَ، فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ تَعَبُّدٌ، وَرَأَى عَبْدُ الْمَلِكِ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ وَاجْتِمَاعِهَا ؛ وَهُوَ أَقْوَى.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْلُهُ :﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾
قِيلَ : هُوَ وَصْفٌ لِلنِّسَاءِ، وَلَحِقَ بِهِنَّ الرِّجَالُ، وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ إلْحَاقِ الرِّجَالِ بِهِنَّ ؛ فَقِيلَ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِنَّ ؛ كَمَا أُلْحِقَ ذُكُورُ الْعَبِيدِ بِإِمَائِهِمْ فِي تَشْطِيرِ الْحَدِّ ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ شَيْخِ السُّنَّةِ، وَمَذْهَبُ لِسَانِ الْأُمَّةِ.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : لَيْسَ من بَابِ الْقِيَاسِ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ من بَابِ كَوْنِ الشَّيْءِ فِي مَعْنَى الشَّيْءِ قَبْلَ النَّظَرِ إلَى عِلَّتِهِ، وَجُعِلَ من هَذَا الْقَبِيلِ إلْحَاقُ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي قَوْلِهِ :" مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ من الْمَالِ قَدْرُ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ ". فَهَذَا إذَا سَمِعَهُ كُلُّ أَحَدٍ عَلِمَ أَنَّ الْأَمَةَ كَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ فِي وَجْهِ الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا فِي الِاشْتِرَاكِ فِي حُكْمِ السِّرَايَةِ.
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ :﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ الْأَنْفُسُ الْمُحْصَنَاتُ. وَهَذَا كَلَامُ مَنْ جَهِلَ الْقِيَاسَ وَفَائِدَتَهُ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ أَصْلَ الدِّينِ وَقَاعِدَتَهُ.
وَالصَّحِيحُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْهُمَا، من أَنَّهُ قِيَاسٌ صَرِيحٌ صَحِيحٌ.
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قِيلَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ رَمَوْا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَلَا جَرَمَ جَلَدَ النَّبِيُّ مِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي سَائِرِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ :﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾
فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَدٌّ من حُقُوقِ اللَّهِ كَالزِّنَا ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
الثَّانِي : أَنَّهُ حَقٌّ من حُقُوقِ الْمَقْذُوفِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
الثَّالِثُ : قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ من الطَّائِفَتَيْنِ : فِي حَدِّ الْقَذْفِ شَائِبَتَانِ ؛ شَائِبَةُ حَقِّ اللَّهِ وَهِيَ الْمُغَلَّبَةُ. وَقَالَ الْآخَرُونَ : شَائِبَةُ حَقِّ الْعَبْدِ هِيَ الْمُغَلَّبَةُ. وَلِهَذَا الشَّوْبِ اضْطَرَبَ فِيهِ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حَقُّ الْآدَمِيِّينَ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقِفُ عَلَى مُطَالَبَتِهِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، أَصْلُهُ الْقِصَاصُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّهُ يَتَشَطَّرُ بِالرِّقِّ فَكَانَ كَالزِّنَا. قُلْنَا : يَبْطُلُ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَتَشَطَّرُ بِالرِّقِّ، فَلَا يَنْكِحُ الْعَبْدُ إلَّا اثْنَتَيْنِ فِ
فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ :﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ﴾.
يُرِيدُ يَشْتُمُونَ. وَاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُ الرَّمْيِ، لِأَنَّهُ إذَايَةٌ بِالْقَوْلِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ الْقَذْفُ. ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ السَّحْمَاءِ، وَقَالَ أَبُو كَبْشَةَ :
* وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ الْيَدِ *
وَقَالَ :
| رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْت مِنْهُ وَوَالِدِي | بَرِيئًا وَمِنْ أَجْلِ الطَّوَى رَمَانِي |
مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهِ مَوْضِعَ رَفْعٍ أَوْ نَصْبٍ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ وَالزَّانِيَةِ وَالزَّانِي سَوَاءٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ :﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾
قَدْ بَيَّنَّا الْإِحْصَانَ وَأَقْسَامَهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَقُلْنَا : إنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْعِفَّةِ ؛ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْعِفَّةُ هَاهُنَا.
وَشُرُوطُ الْقَذْفِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ تِسْعَةٌ : شَرْطَانِ فِي الْقَاذِفِ، وَشَرْطَانِ فِي الْمَقْذُوفِ بِهِ، وَخَمْسَةٌ فِي الْمَقْذُوفِ.
فَأَمَّا الشَّرْطَانِ اللَّذَانِ فِي الْقَاذِفِ : فَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ.
وَأَمَّا الشَّرْطَانِ فِي الشَّيْءِ الْمَقْذُوفِ مِنْهُ : فَهُوَ أَنْ يَقْذِفَهُ بِوَطْءٍ يَلْزَمُهُ فِيهِ الْحَدُّ، وَهُوَ الزِّنَا أَوْ اللِّوَاطُ، أَوْ يَنْفِيهِ من أَبِيهِ، دُونَ سَائِرِ الْمَعَاصِي.
وَأَمَّا الْخَمْسُ الَّتِي فِي الْمَقْذُوفِ فَهِيَ : الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعِفَّةُ عَنْ الْفَاحِشَةِ الَّتِي رُمِيَ بِهَا كَانَ عَفِيفًا عَنْ غَيْرِهَا أَوْ لَا.
فَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ فِي الْقَاذِفِ ؛ فَلِأَنَّهُمَا أَصْلَا التَّكْلِيفِ ؛ إذْ التَّكْلِيفُ سَاقِطٌ دُونَهُمَا، وَإِنَّمَا شَرَطْنَاهُمَا فِي الْمَقْذُوفِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي مَعَانِي الْإِحْصَانِ لِأَجْلِ أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وُضِعَ لِلزَّجْرِ عَنْ الْإِذَايَةِ بِالْمَعَرَّةِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْمَقْذُوفِ، وَلَا مَعَرَّةَ عَلَى مَنْ عَدِمَ الْعَقْلَ وَالْبُلُوغَ ؛ إذْ لَا يُوصَفُ الْوَطْءُ فِيهِمَا وَلَا مِنْهُمَا بِأَنَّهُ زِنًا.
وَأَمَّا شَرْطُ الْإِسْلَامِ فِيهِ ؛ فَلِأَنَّهُ من مَعَانِي الْإِحْصَانِ وَأَشْرَفِهَا، كَمَا بَيَّنَّاهُ من قَبْلُ، وَلِأَنَّ عِرْضَ الْكَافِرَ لَا حُرْمَةَ لَهُ يَهْتِكُهَا الْقَذْفُ، كَالْفَاسِقِ الْمُعْلِنِ لَا حُرْمَةَ لِعِرْضِهِ ؛ بَلْ هُوَ أَوْلَى لِزِيَادَةِ الْكُفْرِ عَلَى الْمُعْلِنِ بِالْفِسْقِ.
وَأَمَّا شَرَفُ الْعِفَّةِ ؛ فَلِأَنَّ الْمَعَرَّةَ لَاحِقَةٌ بِهِ، وَالْحُرْمَةُ ذَاهِبَةٌ، وَهِيَ مُرَادَةٌ هَاهُنَا إجْمَاعًا. وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَإِنَّمَا شَرَطْنَاهَا لِأَجْلِ نُقْصَانِ عِرْضِ الْعَبْدِ عَنْ عِرْضِ الْحُرِّ، بِدَلِيلِ نُقْصَانِ حُرْمَةِ دَمِهِ عَنْ دَمِهِ ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْمُرَادُ بِالرَّمْيِ هَاهُنَا التَّعْبِيرُ بِالزِّنَا خَاصَّةً ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ زَوْجَهُ بِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك ).
وَالنُّكْتَةُ الْبَدِيعَةُ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ :﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، وَاَلَّذِي يَفْتَقِرُ إلَى أَرْبَعَةِ شُهَدَاءِ هُوَ الزِّنَا ؛ وَهَذَا قَاطِعٌ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ :﴿يَرْمُونَ﴾
اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِالزِّنَا كَانَ قَذْفًا وَذَنْبًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ ؛ فَإِنَّ عَرَّضَ وَلَمْ يُصَرِّحْ، فَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ قَذْفٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ بِقَذْفٍ. وَمَالِكٌ أَسَدُّ طَرِيقَةٍ فِيهِ ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيضَ قَوْلٌ يَفْهَمُ مِنْهُ سَامِعُهُ الْحَدَّ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا، كَالتَّصْرِيحِ. وَالْمُعَوَّلُ عَلَى الْفَهْمِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ :﴿إنَّك لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ وَقَالَ فِي أَبِي جَهْلٍ :﴿ذُقْ إنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ وَهَذَا ظَاهِرٌ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَإِنْ قَالَ لَهُ : يَا مَنْ وَطِئَ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : فِيهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ. وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا حَدَّ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَهُ إلَى فِعْلٍ لَا يُعَدُّ زِنًا إجْمَاعًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَصْوَبُ من جِهَةِ التَّعْرِيضِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إذَا رَمَى صَبِيَّةً يُمْكِنُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ بِالزِّنَا كَانَ قَذْفًا عِنْدَ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَيْسَ بِقَذْفٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا ؛ إذْ لَا حَدَّ عَلَيْهَا.
وَعَوَّلَ مَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ تَعْيِيرٌ تَامٌّ بِوَطْءٍ كَامِلٍ، فَكَانَ قَذْفًا. وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ مُشْكِلَةٌ، لَكِنْ مَالِكٌ غَلَّبَ حِمَايَةَ عِرْضِ الْمَقْذُوفِ، وَغَيْرُهُ رَاعَى حِمَايَةَ طُهْرِ الْقَاذِفِ. وَحِمَايَةُ عِرْضِ الْمَقْذُوفِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْقَاذِفَ كَشَفَ سِتْرَهُ بِطَرْفِ لِسَانِهِ فَلَزِمَهُ الْحَدُّ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْلُهُ :﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾
كَثَّرَ اللَّهُ عَدَدَ الشُّهُودِ فِي الزِّنَا عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ رَغْبَةً فِي السَّتْرِ عَلَى الْخَلْقِ، وَحَقَّقَ كَيْفِيَّةَ الشَّهَادَةِ حَتَّى رَبَطَ أَنْ يَقُولَ : رَأَيْت ذَلِكَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ مِنْهَا ؛ أَيْ الْمِرْوَدَ فِي الْمُكْحُلَةِ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْأَحَادِيثِ من قَبْلُ.
فَلَوْ قَالُوا : رَأَيْنَاهُ يَزْنِي بِهَا الزِّنَا الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يَكُونُونَ قَذَفَةً.
وَقَالَ غَيْرُهُ : إذَا كَانُوا فُقَهَاءَ وَالْقَاضِي فَقِيهًا كَانَتْ شَهَادَةً.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ عَدَدَ الشُّهُودِ تَعَبُّدٌ، وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ تَعَبُّدٌ، وَصِفَتُهَا تَعَبُّدٌ، فَلَا يُبَدَّلَ شَيْءٌ مِنْهَا بِغَيْرِهِ، حَتَّى قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَهِيَ :
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إنَّ من شَرْطِ أَدَاءِ الشُّهُودِ لِلشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ افْتَرَقُوا لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مُجْتَمَعِينَ وَمُفْتَرِقِينَ، فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ تَعَبُّدٌ، وَرَأَى عَبْدُ الْمَلِكِ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ وَاجْتِمَاعِهَا ؛ وَهُوَ أَقْوَى.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْلُهُ :﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾
قِيلَ : هُوَ وَصْفٌ لِلنِّسَاءِ، وَلَحِقَ بِهِنَّ الرِّجَالُ، وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ إلْحَاقِ الرِّجَالِ بِهِنَّ ؛ فَقِيلَ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِنَّ ؛ كَمَا أُلْحِقَ ذُكُورُ الْعَبِيدِ بِإِمَائِهِمْ فِي تَشْطِيرِ الْحَدِّ ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ شَيْخِ السُّنَّةِ، وَمَذْهَبُ لِسَانِ الْأُمَّةِ.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : لَيْسَ من بَابِ الْقِيَاسِ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ من بَابِ كَوْنِ الشَّيْءِ فِي مَعْنَى الشَّيْءِ قَبْلَ النَّظَرِ إلَى عِلَّتِهِ، وَجُعِلَ من هَذَا الْقَبِيلِ إلْحَاقُ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي قَوْلِهِ :" مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ من الْمَالِ قَدْرُ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ ". فَهَذَا إذَا سَمِعَهُ كُلُّ أَحَدٍ عَلِمَ أَنَّ الْأَمَةَ كَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ فِي وَجْهِ الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا فِي الِاشْتِرَاكِ فِي حُكْمِ السِّرَايَةِ.
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ :﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ الْأَنْفُسُ الْمُحْصَنَاتُ. وَهَذَا كَلَامُ مَنْ جَهِلَ الْقِيَاسَ وَفَائِدَتَهُ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ أَصْلَ الدِّينِ وَقَاعِدَتَهُ.
وَالصَّحِيحُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْهُمَا، من أَنَّهُ قِيَاسٌ صَرِيحٌ صَحِيحٌ.
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قِيلَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ رَمَوْا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَلَا جَرَمَ جَلَدَ النَّبِيُّ مِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي سَائِرِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ :﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾
فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَدٌّ من حُقُوقِ اللَّهِ كَالزِّنَا ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
الثَّانِي : أَنَّهُ حَقٌّ من حُقُوقِ الْمَقْذُوفِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
الثَّالِثُ : قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ من الطَّائِفَتَيْنِ : فِي حَدِّ الْقَذْفِ شَائِبَتَانِ ؛ شَائِبَةُ حَقِّ اللَّهِ وَهِيَ الْمُغَلَّبَةُ. وَقَالَ الْآخَرُونَ : شَائِبَةُ حَقِّ الْعَبْدِ هِيَ الْمُغَلَّبَةُ. وَلِهَذَا الشَّوْبِ اضْطَرَبَ فِيهِ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حَقُّ الْآدَمِيِّينَ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَقِفُ عَلَى مُطَالَبَتِهِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، أَصْلُهُ الْقِصَاصُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّهُ يَتَشَطَّرُ بِالرِّقِّ فَكَانَ كَالزِّنَا. قُلْنَا : يَبْطُلُ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَتَشَطَّرُ بِالرِّقِّ، فَلَا يَنْكِحُ الْعَبْدُ إلَّا اثْنَتَيْنِ فِ