غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراآت :﴿فرضناها﴾ بالتشديد : ابن كثير وأبو عمرو ﴿ورأفة﴾ بفتح الهمزة : ابن كثير عن ابن فليح ورفعه الباقون بالإسكان وكلاهما مصدر. وكذلك روى الخزاعي عن أصحابه، وروى ابن شنبوذ عن البزي ههنا وفي الحديد متحركة الهمزة، وعن قنبل ههنا بالفتح وفي الحديد بالسكون. وقرأ أبو عمر وغير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف بغير همز ﴿أربع شهادات﴾ بالرفع : حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الآخرون بالنصب على إعمال المصدر فيما في حكم المصدر والتقدير فواجب شهادة أحدهم شهادات أربعاً ﴿أن﴾ مخففة ﴿لعنة الله﴾ بالرفع : نافع وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون بالتشديد والنصب ﴿والخامسة﴾ الثانية بالنصب : حفص على معنى وتشهد الشهادة الخامسة. ﴿أن﴾ مخففاً ﴿غضب﴾ فعلاً ماضياً ﴿الله﴾ بالرفع : نافع والمفضل ﴿أن﴾ بالتخفيف ﴿غضب الله﴾ بالرفع : سهل ويعقوب. الباقون ﴿أن غضب الله﴾ بالتشديد والنصب.
الوقوف :﴿تذكرون﴾ ٥ ﴿جلدة﴾ ص ﴿الآخر﴾ ٥ للعدول واعتراض الشرط مع اتفاق الجملتين ﴿المؤمنين﴾ ٥ ﴿مشركة﴾ ٥ للتفصيل بين الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿مشرك﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿المؤمنين﴾ ٥ ﴿أبداً﴾ ٥ ﴿الفاسقون﴾ ٥ ﴿وأصلحوا﴾ ج للفاء وإن ﴿رحيم﴾ ٥ ﴿بالله﴾ ط في الموضعين لأن ما بعده جواب لما في حكم القسم ﴿الصادقين﴾ ٥ ﴿الكاذبين﴾ ٥ ﴿الصادقين﴾ ٥ ﴿حكيم﴾ ٥.
الحكم الثاني من أحكام السورة حد القذف والرمي قد يكون بالزنا وبغيره كالكفر والسرقة وشرب الخمر، إلا أن العلماء أجمعوا على أن المراد به في الآية هو الرمي بالزنا بالقرائن : منها تقدم ذكر الزنا، ومنها ذكر المحصنات وهن العفائف، ومنها قوله ﴿لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ أي على صحة ما رموها به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا، والقذف بغير الزنا يكفي فيه شاهدان. وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض، فالصريح أن يقول : يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك. والأصح أن قوله " زنى بدنك " صريح لأن الفعل لكل البدن والفرج آلة. والكناية أن يقول " يا فاسقة يا فاجرة يا خبيثة يا بنت الحرام أو امرأته لا تردّ يد لامس " فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده.
وكذا لو قال العربي " يا نبطي الدار واللسان " وادعت أم المقول له أنه أراد القذف فالقول قوله مع يمينه. والتعريض ليس بقذف كقوله " يا ابن الحلال " و " أما أنا فليست أمي بزانية " وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه. وقال مالك : يجب الحد فيه. وقال أحمد وإسحق : هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا لنا أن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك ولهذا قال ﷺ " ادرؤوا الحدود بالشبهات " والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الإيذاء الحاصل بالتعريض.
حجة المخالف ما روي أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر : والله ما أرى أبي بزانٍ ولا أمي بزانية. فاستشار عمر الناس في ذلك فقال قائل : مدح أباه وأمه. وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا. فجلده عمر ثمانين. وإذا قذف شخصاً واحداً مراراً فإن أراد بالكل زنية واحدة كما لو قال مراراً ؟ زنيت بعمرو " لم يجب إلا حد واحد. ولو أنشأ الثاني بعد ما حد للأول عزر للثاني. وإن أراد زنيات مختلفة كأن قال " زنيت بزيد وزنيت بعمرو " فالأصح تداخل الحدود لأنهما حدان من جنس واحد فصار كما لو قذف زوجته مراراً يكتفي بلعان واحد. وإذا قذف جماعة بكلمات أو بكلمة واحدة كأن قال " يا ابن الزانيين " فعليه حدان لأنه قذف لكل واحد من أبويه، هذا هو الجديد من قولي الشافعي. وعند أبي حنيفة لا يجب إلا حد واحد لأن قوله ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ معناه كل من رمى جماعة من المحصنات فاجلدوه ثمانين، ولأنه ﷺ قال الهلال بن أمية " أو حدّ في ظهرك " فلم يوجب عليه إلا حداً واحداً مع قذفه لامرأته. ولشريك بن سحماء للقياس على من زنى مراراً أو شرب أو سرق مراراً والجامع رفع مزيد الضرر. وأجيب بأن قوله ﴿والذين﴾ صيغة جمع وقوله ﴿المحصنات﴾ كذلك. وإذا قوبل الجمع بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى : كل من رمى محصنة فاجلدوه. وفيه أن رمي المحصنة علة الجلد فحيث وجدت وجد. ولا شك أن هذه العلة موجودة عند رمي كل واحدة من المحصنات فيترتب عليها الجلد لا محالة. وأما السنة فالإنصاف أن دلالتها على المطلوب قوية، وأما القياس فالفرق أن هذا الآدمي وتلك حدود الله تعالى. هذا كله هو البحث عن الرمي. وأما البحث عن الرامي فنقول : لا عبرة بقذف الصبي والمجنون إلا في باب التعزير للتأديب إن كان لهما تمييز ولو لم يتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ. قال القفال : يسقط التعزير لأنه كان للزجر. والعقل زاجر قوي وإشارة الأخرس وكتابته قذف ولعان عند الشافعي قياساً على سائر الأحكام، ولأنه كافٍ في لحوق العار. وعند أبي حنيفة لا يصح قذفه ولعانه لضعف تأثيرهما. وإذا قذف العبد حراً فعليه أربعون جلدة قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه على قانون قوله ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] وعند الشيعة ويروى عن علي رضي الله عنه أنه يجلد ثمانين أخذاً بعموم الآية، ولهذا اتفقوا على دخول الكافر فيه حتى لو قذف اليهودي مسلماً جلد ثمانين. ويستثنى من الرماة الأب أو الجد إذا قذف أولاده أو أحفاده فإنه لا يجب عليه الحد كما لا يجب عليه القصاص. وأما البحث عن المرمي فالمحصنات العفائف لأنهن منعن فرجهن إلا من زوجهن وهي عامة إلا أن الفقهاء اعتبروا لكونها محصنة شرائط خمساً : الإسلام لقوله ﷺ " من أشرك بالله فليس بمحصن " والعقل والبلوغ لأن المجنون والصبي لا اهتمام لهما بدفع العار عن أنفسهما، والحرية لمثل ما قلنا، والعفة لأن الحد شرع لتكذيب القاذف فإذا كان صادقاً فلا معنى للحد حتى لو زنى مرة في عنفوان شبابه ثم تاب وحسنت حاله لم يحد قاذفه بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف فإنه يحد لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زنا. ولو زنى بعد القذف وقبل إقامة الحد على القاذف سقط الحد عن قاذفه. قال أبو حنيفة والشافعي لأن ظهور الزنا منه خدش ظن الإحصان به وقت القذف، ودل على أنه كان متصفاً به قبله كما روي أن رجلاً زنى في عهد عمر فقال : والله ما زنيت إلا هذه. فقال عمر : كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة. وقال أحمد والمزني وأبو ثور : الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف. ولفظ المحصنات لا يتناول الرجال عند جمهور العلماء إلا أنهم أجمعوا على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات والقذف بغير الزنا كأن يقول " يا آكل الربا " يا " شارب الخمر " يا " يهودي " يا " مجوسي " يا " فاسق " وكذا قذف غير المحصنين بالزنا لا يوجب إلا التعزير، ولو كان المقذوف معروفاً بما ذكره فلا تعزير أيضاً. واعلم أنه سبحانه حكم على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام : جلد ثمانين وبطلان الشهادة والحكم بفسقه إلى أن يتوب. فذهب جمع من الأئمة كالشافعي والليث بن سعد إلى أنه رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أموراً ثلاثة معطوفة بعضها على بعض بالواو وهو لا يفيد الترتيب، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد، بل يجب أن يثبت رد الشهادة بالقذف مع عدم البينة سواء أقيم عليه الحد أم لا. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه : شهادته مقبولة ما لم يحد فإذا استوفى لم تقبل شهادته. وإنما ذهب إلى هذا نظراً إلى ظاهر الترتيب مع موافقته للأصل وهو كونه مقبول الشهادة ما لم يطرأ مانع ولقوله ﷺ " المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف " أخبر ببقاء عدالته ما لم يحدّ.
أما الاستثناء في قوله ﴿إلا الذين تابوا﴾ فإنه لا يرجع إلا الجملة الأولى اتفاقاً لأنه إذا عجز عن البينة وهو الإتيان بأربعة شهداء وجب عليه الجلد ولم يكن للإمام ولا للمقذوف أن يعفو عن القاذف لأنه خالص حق الله عز وجل، ولهذا لا يصح أن يصالح عنه بمال. هذا قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي : إذا عجز عن البينة وجب على الإمام وهو المخاطب بقوله ﴿فاجلدوهم﴾ أن يأمر بجلده وإن تاب لأن القذف وحده حق الآدمي والمغلب فيه حقه، فليس للإمام أن يعفو عنه. ولا خلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وأن المراد أنهم محكوم عليهم بالفسق. إلا أن تابوا. بقي الخلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة المتوسطة، منشأ الخلاف مسألة أصولية هي أن الاستثناء بعد جمل معطوف بعضها على بعض للجميع وهو مذهب الشافعية، أو للأخيرة وهو مذهب الحنفية، ويتفرع على مذهب الشافعي أن القاذف إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته فيكون الأبد مصروفاً إلى مدة كونه قاذفاً وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف. ويتفرغ على مذهب أبي حنيفة أنه لم تقبل شهادته وإن تاب والأبد عنده مدة حياته.
وقول أبي حنيفة ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ جملة مستأنفة عنده لا معطوفة لأنها خبرية وما قبلها طلبية، ولو سلم أنها معطوفة فالاستثناء يرجع إليها فقط.
قال صاحب الكشاف : حق المستثنى عند الشافعي أن يكون مجروراً بدلاً من هم في لهم، وحقه عند أبي حنيفة أن يكون منصوباً لأنه عن موجب. قلت : حقه عند الإمامين أن يكون منصوباً لأن الاستثناء يعود عند الشافعي إلى الجملتين، ولا يمكن أن يكون الاسم الواحد معرباً بإعرابين مختلفين في حالة واحدة، لكنه يجب نصبه نظراً إلى الأخيرة فتعين نصبه نظراً إلى ما قبلها أيضاً، وإن جاز البدل في غير هذه المادة. هذا وقد احتجت الشافعية أيضاً في قبول شهادة القاذف بعد التوبة بقوله ﷺ " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " وإذا كانت التوبة من الكفر والزنا والقتل مع غلظها مقبولة فلأن تقبل من القذف أولى. وأيضاً إن أبا حنيفة يقبل شهادته قبل الحد فبعده وقد تاب وحسن حاله أولى. وأيضاً الكافر يقذف فيتوب من الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب من القذف كان أولى بأن تقبل شهادته لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر. لا يقال : المسلمون لا يعبؤون بسب الكفار لاشتهارهم بعداوتهم والطعن فيهم فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر عار حادث بخلاف ما لو قذفه مسلم. وأيضاً الإيمان يجب ما قبله وبهذا لا يلزم الحد بعد التوبة من الكفر ويلزم بعد التوبة من القذف لأنا نقول : هذا الفرق ملغى في أهل الذمة لقوله ﷺ " لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين " واحتجت الحنفية في عدم قبول شهادته بما روى ابن عباس في قصة هلال بن أمية يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ولم يشترط التوبة، ومثله قوله ﷺ " المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف " ولم يذكر التوبة. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال " لا تجوز شهادة محدود في الإسلام " والشافعية عارضوا هذه الحجج بوجوه : منها قوله ﷺ " إذا علمت مثل الشمس فاشهد " فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم يقبل كان عبثاً. ومنها قوله نحن نحكم بالظاهر، وههنا قد ظهرت العفة والصلاح. ومنها أن عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة ونافع ونفيع ثم قال لهم : من أكذب نفسه قبلت شهادته. فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا فكان يقبل شهادتهما.
وقد بقي في الآية مسائل.
الأولى : قال الشافعي : لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين. وقال أبو حنيفة : إذا جاؤوا متفرقين لم يثبت وعليهم حد القذف كما لو شهد على الزنا أقل من أربعة. حجة الشافعي أن الآتي بالشهداء متفرقين آتٍ بمقتضى النص واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية. وأيضاً القياس على سائر الأحكام بل تفريقهم أولى لأنه ابعد عن التهمة والتواطؤ. وكذلك يفعل القاضي في كل حكم سواه عند الريبة. وأيضا لا يجب أن يشهدوا معاً في حالة واحدة بل إذا اجتمعوا عند القاضي ويقوم واحد بعد آخر ويشهد جاز فكذا إذا اجتمعوا على بابه ويدخل واحد بعد آخر. حجة أبي حنيفة الشاهد الواحد لما شهد قذفه ولم يأت بأربعة شهداء فوجب عليه الحد فخرج عن كونه شاهداً، ولا عبرة بتسميته شاهد إذا فقد المسمى فلا خلاص عن هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع، ونظيره ما روي أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب أربعة : أبو بكرة ونافع ونفيع. وقال زياد : وكان رابعهم : رأيت رجليها على عاتقه كأذني حمار ولا أدري ما وراء ذلك. فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد
الوقوف :﴿تذكرون﴾ ٥ ﴿جلدة﴾ ص ﴿الآخر﴾ ٥ للعدول واعتراض الشرط مع اتفاق الجملتين ﴿المؤمنين﴾ ٥ ﴿مشركة﴾ ٥ للتفصيل بين الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿مشرك﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿المؤمنين﴾ ٥ ﴿أبداً﴾ ٥ ﴿الفاسقون﴾ ٥ ﴿وأصلحوا﴾ ج للفاء وإن ﴿رحيم﴾ ٥ ﴿بالله﴾ ط في الموضعين لأن ما بعده جواب لما في حكم القسم ﴿الصادقين﴾ ٥ ﴿الكاذبين﴾ ٥ ﴿الصادقين﴾ ٥ ﴿حكيم﴾ ٥.
الحكم الثاني من أحكام السورة حد القذف والرمي قد يكون بالزنا وبغيره كالكفر والسرقة وشرب الخمر، إلا أن العلماء أجمعوا على أن المراد به في الآية هو الرمي بالزنا بالقرائن : منها تقدم ذكر الزنا، ومنها ذكر المحصنات وهن العفائف، ومنها قوله ﴿لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ أي على صحة ما رموها به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا، والقذف بغير الزنا يكفي فيه شاهدان. وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض، فالصريح أن يقول : يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك. والأصح أن قوله " زنى بدنك " صريح لأن الفعل لكل البدن والفرج آلة. والكناية أن يقول " يا فاسقة يا فاجرة يا خبيثة يا بنت الحرام أو امرأته لا تردّ يد لامس " فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده.
وكذا لو قال العربي " يا نبطي الدار واللسان " وادعت أم المقول له أنه أراد القذف فالقول قوله مع يمينه. والتعريض ليس بقذف كقوله " يا ابن الحلال " و " أما أنا فليست أمي بزانية " وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه. وقال مالك : يجب الحد فيه. وقال أحمد وإسحق : هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا لنا أن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك ولهذا قال ﷺ " ادرؤوا الحدود بالشبهات " والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الإيذاء الحاصل بالتعريض.
حجة المخالف ما روي أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر : والله ما أرى أبي بزانٍ ولا أمي بزانية. فاستشار عمر الناس في ذلك فقال قائل : مدح أباه وأمه. وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا. فجلده عمر ثمانين. وإذا قذف شخصاً واحداً مراراً فإن أراد بالكل زنية واحدة كما لو قال مراراً ؟ زنيت بعمرو " لم يجب إلا حد واحد. ولو أنشأ الثاني بعد ما حد للأول عزر للثاني. وإن أراد زنيات مختلفة كأن قال " زنيت بزيد وزنيت بعمرو " فالأصح تداخل الحدود لأنهما حدان من جنس واحد فصار كما لو قذف زوجته مراراً يكتفي بلعان واحد. وإذا قذف جماعة بكلمات أو بكلمة واحدة كأن قال " يا ابن الزانيين " فعليه حدان لأنه قذف لكل واحد من أبويه، هذا هو الجديد من قولي الشافعي. وعند أبي حنيفة لا يجب إلا حد واحد لأن قوله ﴿والذين يرمون المحصنات﴾ معناه كل من رمى جماعة من المحصنات فاجلدوه ثمانين، ولأنه ﷺ قال الهلال بن أمية " أو حدّ في ظهرك " فلم يوجب عليه إلا حداً واحداً مع قذفه لامرأته. ولشريك بن سحماء للقياس على من زنى مراراً أو شرب أو سرق مراراً والجامع رفع مزيد الضرر. وأجيب بأن قوله ﴿والذين﴾ صيغة جمع وقوله ﴿المحصنات﴾ كذلك. وإذا قوبل الجمع بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى : كل من رمى محصنة فاجلدوه. وفيه أن رمي المحصنة علة الجلد فحيث وجدت وجد. ولا شك أن هذه العلة موجودة عند رمي كل واحدة من المحصنات فيترتب عليها الجلد لا محالة. وأما السنة فالإنصاف أن دلالتها على المطلوب قوية، وأما القياس فالفرق أن هذا الآدمي وتلك حدود الله تعالى. هذا كله هو البحث عن الرمي. وأما البحث عن الرامي فنقول : لا عبرة بقذف الصبي والمجنون إلا في باب التعزير للتأديب إن كان لهما تمييز ولو لم يتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ. قال القفال : يسقط التعزير لأنه كان للزجر. والعقل زاجر قوي وإشارة الأخرس وكتابته قذف ولعان عند الشافعي قياساً على سائر الأحكام، ولأنه كافٍ في لحوق العار. وعند أبي حنيفة لا يصح قذفه ولعانه لضعف تأثيرهما. وإذا قذف العبد حراً فعليه أربعون جلدة قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه على قانون قوله ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥] وعند الشيعة ويروى عن علي رضي الله عنه أنه يجلد ثمانين أخذاً بعموم الآية، ولهذا اتفقوا على دخول الكافر فيه حتى لو قذف اليهودي مسلماً جلد ثمانين. ويستثنى من الرماة الأب أو الجد إذا قذف أولاده أو أحفاده فإنه لا يجب عليه الحد كما لا يجب عليه القصاص. وأما البحث عن المرمي فالمحصنات العفائف لأنهن منعن فرجهن إلا من زوجهن وهي عامة إلا أن الفقهاء اعتبروا لكونها محصنة شرائط خمساً : الإسلام لقوله ﷺ " من أشرك بالله فليس بمحصن " والعقل والبلوغ لأن المجنون والصبي لا اهتمام لهما بدفع العار عن أنفسهما، والحرية لمثل ما قلنا، والعفة لأن الحد شرع لتكذيب القاذف فإذا كان صادقاً فلا معنى للحد حتى لو زنى مرة في عنفوان شبابه ثم تاب وحسنت حاله لم يحد قاذفه بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف فإنه يحد لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زنا. ولو زنى بعد القذف وقبل إقامة الحد على القاذف سقط الحد عن قاذفه. قال أبو حنيفة والشافعي لأن ظهور الزنا منه خدش ظن الإحصان به وقت القذف، ودل على أنه كان متصفاً به قبله كما روي أن رجلاً زنى في عهد عمر فقال : والله ما زنيت إلا هذه. فقال عمر : كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة. وقال أحمد والمزني وأبو ثور : الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف. ولفظ المحصنات لا يتناول الرجال عند جمهور العلماء إلا أنهم أجمعوا على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات والقذف بغير الزنا كأن يقول " يا آكل الربا " يا " شارب الخمر " يا " يهودي " يا " مجوسي " يا " فاسق " وكذا قذف غير المحصنين بالزنا لا يوجب إلا التعزير، ولو كان المقذوف معروفاً بما ذكره فلا تعزير أيضاً. واعلم أنه سبحانه حكم على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام : جلد ثمانين وبطلان الشهادة والحكم بفسقه إلى أن يتوب. فذهب جمع من الأئمة كالشافعي والليث بن سعد إلى أنه رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أموراً ثلاثة معطوفة بعضها على بعض بالواو وهو لا يفيد الترتيب، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد، بل يجب أن يثبت رد الشهادة بالقذف مع عدم البينة سواء أقيم عليه الحد أم لا. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه : شهادته مقبولة ما لم يحد فإذا استوفى لم تقبل شهادته. وإنما ذهب إلى هذا نظراً إلى ظاهر الترتيب مع موافقته للأصل وهو كونه مقبول الشهادة ما لم يطرأ مانع ولقوله ﷺ " المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف " أخبر ببقاء عدالته ما لم يحدّ.
أما الاستثناء في قوله ﴿إلا الذين تابوا﴾ فإنه لا يرجع إلا الجملة الأولى اتفاقاً لأنه إذا عجز عن البينة وهو الإتيان بأربعة شهداء وجب عليه الجلد ولم يكن للإمام ولا للمقذوف أن يعفو عن القاذف لأنه خالص حق الله عز وجل، ولهذا لا يصح أن يصالح عنه بمال. هذا قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي : إذا عجز عن البينة وجب على الإمام وهو المخاطب بقوله ﴿فاجلدوهم﴾ أن يأمر بجلده وإن تاب لأن القذف وحده حق الآدمي والمغلب فيه حقه، فليس للإمام أن يعفو عنه. ولا خلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وأن المراد أنهم محكوم عليهم بالفسق. إلا أن تابوا. بقي الخلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة المتوسطة، منشأ الخلاف مسألة أصولية هي أن الاستثناء بعد جمل معطوف بعضها على بعض للجميع وهو مذهب الشافعية، أو للأخيرة وهو مذهب الحنفية، ويتفرع على مذهب الشافعي أن القاذف إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته فيكون الأبد مصروفاً إلى مدة كونه قاذفاً وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف. ويتفرغ على مذهب أبي حنيفة أنه لم تقبل شهادته وإن تاب والأبد عنده مدة حياته.
وقول أبي حنيفة ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ جملة مستأنفة عنده لا معطوفة لأنها خبرية وما قبلها طلبية، ولو سلم أنها معطوفة فالاستثناء يرجع إليها فقط.
قال صاحب الكشاف : حق المستثنى عند الشافعي أن يكون مجروراً بدلاً من هم في لهم، وحقه عند أبي حنيفة أن يكون منصوباً لأنه عن موجب. قلت : حقه عند الإمامين أن يكون منصوباً لأن الاستثناء يعود عند الشافعي إلى الجملتين، ولا يمكن أن يكون الاسم الواحد معرباً بإعرابين مختلفين في حالة واحدة، لكنه يجب نصبه نظراً إلى الأخيرة فتعين نصبه نظراً إلى ما قبلها أيضاً، وإن جاز البدل في غير هذه المادة. هذا وقد احتجت الشافعية أيضاً في قبول شهادة القاذف بعد التوبة بقوله ﷺ " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " وإذا كانت التوبة من الكفر والزنا والقتل مع غلظها مقبولة فلأن تقبل من القذف أولى. وأيضاً إن أبا حنيفة يقبل شهادته قبل الحد فبعده وقد تاب وحسن حاله أولى. وأيضاً الكافر يقذف فيتوب من الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب من القذف كان أولى بأن تقبل شهادته لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر. لا يقال : المسلمون لا يعبؤون بسب الكفار لاشتهارهم بعداوتهم والطعن فيهم فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر عار حادث بخلاف ما لو قذفه مسلم. وأيضاً الإيمان يجب ما قبله وبهذا لا يلزم الحد بعد التوبة من الكفر ويلزم بعد التوبة من القذف لأنا نقول : هذا الفرق ملغى في أهل الذمة لقوله ﷺ " لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين " واحتجت الحنفية في عدم قبول شهادته بما روى ابن عباس في قصة هلال بن أمية يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ولم يشترط التوبة، ومثله قوله ﷺ " المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف " ولم يذكر التوبة. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال " لا تجوز شهادة محدود في الإسلام " والشافعية عارضوا هذه الحجج بوجوه : منها قوله ﷺ " إذا علمت مثل الشمس فاشهد " فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم يقبل كان عبثاً. ومنها قوله نحن نحكم بالظاهر، وههنا قد ظهرت العفة والصلاح. ومنها أن عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة ونافع ونفيع ثم قال لهم : من أكذب نفسه قبلت شهادته. فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا فكان يقبل شهادتهما.
وقد بقي في الآية مسائل.
الأولى : قال الشافعي : لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين. وقال أبو حنيفة : إذا جاؤوا متفرقين لم يثبت وعليهم حد القذف كما لو شهد على الزنا أقل من أربعة. حجة الشافعي أن الآتي بالشهداء متفرقين آتٍ بمقتضى النص واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية. وأيضاً القياس على سائر الأحكام بل تفريقهم أولى لأنه ابعد عن التهمة والتواطؤ. وكذلك يفعل القاضي في كل حكم سواه عند الريبة. وأيضا لا يجب أن يشهدوا معاً في حالة واحدة بل إذا اجتمعوا عند القاضي ويقوم واحد بعد آخر ويشهد جاز فكذا إذا اجتمعوا على بابه ويدخل واحد بعد آخر. حجة أبي حنيفة الشاهد الواحد لما شهد قذفه ولم يأت بأربعة شهداء فوجب عليه الحد فخرج عن كونه شاهداً، ولا عبرة بتسميته شاهد إذا فقد المسمى فلا خلاص عن هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع، ونظيره ما روي أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب أربعة : أبو بكرة ونافع ونفيع. وقال زياد : وكان رابعهم : رأيت رجليها على عاتقه كأذني حمار ولا أدري ما وراء ذلك. فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد