زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ شرائط الإحصان في الزنا الموجب للرجم عندنا أربعة : البلوغ، والحرية، والعقل، والوطء في نكاح صحيح. فأما الإسلام، فليس بشرط في الإحصان، خلافا لأبي حنيفة، ومالك. وأما شرائط إحصان القذف فأربع : الحرية والإسلام، والعفة، وأن يكون المقذوف ممن يجامع مثله. ومعنى الآية : يرمون المحصنات بالزنا، فاكتفي بذكره المتقدم عن إعادته، ﴿ثم لم يأتوا﴾ على ما رموهن به ﴿بأربعة شهداء﴾ عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ذلك ﴿فاجلدوهم﴾ يعني القاذفين.
فصل : وقد أفادت هذه الآية أن على القاذف إذا لم يقم البيّنة، الحدَّ ورد الشهادة وثبوت الفسق. واختلفوا هل يحكم بفسقه ورد شهادته بنفس القذف، أم بالحد ؟ فعلى قول أصحابنا : إنه يحكم بفسقه ورد شهادته إذا لم يقم البينة، وهو قول الشافعي. وقال أبو حنيفة، ومالك : لا يحكم بفسقه، وتقبل شهادته ما لم يقم الحد عليه.
فصل : والتعريض بالقذف- كقوله لمن يخاصمه : ما أنت بزان، ولا أمك زانية- يوجب الحد في المشهور من مذهبنا. وقال أبو حنيفة : لا يوجب الحد. وحد العبد في القذف نصف حد الحر، وهو أربعون، قاله الجماعة، إلا الأوزاعي، فإنه قال : ثمانون. فأما قاذف المجنون، فقال الجماعة : لا يحد. وقال الليث : يحد. فأما الصبي، فان كان مثله يجامع أو كانت صبية مثلها يجامع، فعلى القاذف الحد. وقال مالك : يحد قاذف الصبية التي يجامع مثلها، ولا يحد قذف الصبي. وقال أبو حنيفة، والشافعي : لا يحد قاذفهما. فإن قذف رجل جماعة بكلمة واحدة، فعليه حد واحد، وإن أفرد كل واحد بكلمة، فعليه لكل واحد حد، وهو قول الشعبي، وابن أبي ليلى ؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه : عليه حد واحد، سواء قذفهم بكلمة أو بكلمات.
فصل : وحد القذف حق لآدمي، يصح أن يبرئ منه، ويعفو عنه. وقال أبو حنيفة : هو حق لله. وعندنا أنه لا يستوفى إلا بمطالبة المقذوف، وهو قول الأكثرين. وقال ابن أبي ليلى : يحده الإمام وإن لم يطالب المقذوف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى