تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٤ : وقوله تعالى :]والذين يرمون المحصنات[ ذكر الرمي، ولم يذكر بم ؟ فيعرف ذلك بالنازلة وبقوله :]ثم لم يأتوا بأربعة شهداء[ ذكر الأربعة الشهود، والزنى هو المخصوص بالشهود الأربعة دون غيره من الأجرام. فدل ذكر ذلك على إثر ذلك على أن الرمي المذكور فيه، هو الزنى.
ثم قوله :]المحصنات ] هن الحرائر في هذا الموضع لا العفائف، لأن قاذف الأمة يلزمه التعزير. ألا ترى أنه قال :]فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب[ الآية ( النساء : ٢٥ ) ألا ترى أنه أوجب على الإماء نصف ما على المحصنات أي الحرائر ؟ ولأنا لو(١) جعلنا المحصنات عبارة وكناية عن العفائف دون الحرائر لأسقطنا شهادة الشهود، لأن العفة تكذبها. وكذلك يدل قوله :]إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات[ ( النور : ٢٣ ) أن الغافلات عبارة عن العفائف.
فدل أن المحصنات ( عبارة عن الحرائر، ثم أدخل المحصنين )(٢) في حكم هذه الآية في الرمي والقذف وغيره، وإن لم يذكروا في الآية.
ثم شدد الله تعالى في الزنى، وغلظ في أمره ما لم يشدد، ولم يغلظ في غيره من الأجرام مثله ( في وجوه :)(٣) منها ما نهى عن تعطيل الحد فيه وإضاعته وتخفيفه حين(٤) قال :[ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله[ ( النور : ٢ ) ومنها ما أمر برجمه إذا كان محصنا مثل ما يرجم الكلب، ويقتل بالحجارة. ومنها ما أوجب على الرامي به من(٥) الحد إذا لم يأت بأربعة شهداء.
والزنى /٣٦١- ب/ بهذا كله مخصوص من بين غيره من الأجرام. وذلك، والله أعلم، لقبحه في العقل والطبع جميعا وكذلك في الشرع.
والدليل على أنه قبيح في الطبع والعقل جميعا، ما ينفر عنه طبع كل مسلم، وينفر عنه كل سليم، فإن قيل : لو كان ينفر منه لكان لا يرتكبه، ولا تأتيه، قيل : ينفر عنه، إلا أن الشهوة التي مُكنَّت فيه، ورُكبت، تغلبه وتمنعه عن النفار عنه.
ألا ترى أنه لو(٦) تفكر بمثله في المتصلات به من الأم والابنة وجميع المحارم لم يحتمل قلبه ذلك ؟
وبمثله روي عن رسول الله ﷺ " أن رجلا أتاه، فقال له : ائذن لي في الزنى، فقال : أرأيت لو فُعل بابنتك وأمك مثله، أكُنت تكرهه ؟ فقال : نعم، فقال : أكره لغيرك ما تكره لنفسك " ( أحمد : ٥/٢٥٦ ) دل ذلك أنه قبيح في الطبع والعقل جميعا، إلا أن الشهوة لم(٧) تمنعه عن النفار عنه.
وفيه اشتباه الأنساب والمعارف التي جعلت في ما بين الخلق حتى لا يهتدي أحد إلى معلم، يُعلم الحكمة والآداب ومعالم السنن، لا(٨) الدعاء بالإباء وارتفاع التواصل وحفظ الحقوق التي يقوم بعض لبعض، والشفقة التي جعلت لبعض على بعض من التربية في الصغار وحقوق المحارم وغيرهم.
وبه(٩) امتحن البشر والعالم الصغير، وبطل خلق ما ذكر من الإنشاء لهذا العالم وتسخير ما ذكر مما في السموات والأرض لهم.
فهذا كله يدل على قبح الزنى ونهايته في الفحش والمنكر حتى لا يعرف هذا العالم قبحه ونهاية فحشه، وإنما يعرفه والنظر الروحاني الذي لم يكن فيهم هذه الشهوة، ولم يمتحنوا بها.
وأما هذا العالم الذي جعلت فيهم الشهوة، فلا(١٠) يعرفون قدر قبحه وفحشائه، لما تغلبهم، وتمنعهم عن النفار عنه والنظر في معرفة قبحه.
لهذا، والله أعلم، ما شدد الله تعالى أمر الزنى، وغلظ في أحكامه، ما لم يغلظ بمثله في غيره من الأجرام، وعظم شانه من بين سائر الآثام.
ثم الذكر إنما جرى في الحرائر بما ذكرنا، فهو بالرجال من الأحرار، إن لم يكن مما يكون، دونه، لأن العذر فيهن أكثر، وهي الشهوة التي تغلب، وتمنع عن النفار عنه، وفي الرجال أقل، فالعذر فيهم أقل.
ألا ترى أنه ذكر الحد في الإماء بقوله :]فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب[ ( النساء : ٢٥ ) ولم يذكر في العبيد شيئا، فيلزم العبد ذلك الحد إذا ارتكبه ؟
فعلى ذلك ما ذكر من الحد في النساء والقذف، فهو في الرجال مثله.
ثم أجمعوا على أن على قاذف الأمة التعزير، ولا حد عليه.
ثم سمى الزوجة، وإن كانت محصنة أمة، وقال :]والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم[ ( النساء : ٢٤ ) سمى ملك اليمين محصنة بقوله :]أحصن[ أي تزوجن وقوله :]فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب[ أي الحرائر.
فقد بان بهذه الآية أن الإحصان، قد يكون بالحرية، ويكون بالزواج، وإن كانت الزوجة أمة ؛ إذا كان لها زوج.
وتسمى الطبقة من النساء محصنة. قال تعالى :]محصنات غير مسافحات[ ( النساء : ٢٥ ) يعني العفائف.
فالإحصان على ثلاثة أوجه، وإنما يجب الحد على قاذف الحر المسلم والحرة المسلمة.
فإن كان حرا أو حرة فعليه(١١) الحد ثمانين، وإن كان عبدا أو أمة فعليه الحد أربعين سوطا على ما ذكرنا.
وقوله تعالى :]والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة[ ( يحتمل هذا الحد وجهين : أحدهما : أن ظاهره(١٢) ) لا يقع عند حضرة القذف، ولكن له أن يأتي على وقت إياسه، وهو الموت، كمن يحلف بيمين، ولم يؤقت لها وقتا، فإنما وقعت إلى وقت إياسه، فحنث عند ذلك.
فعلى ذلك يجيء على ظاهره : أن يقع على الأبد، ليس عند حضرة الموت، لكن لو وقع إلى الأبد لكان فيه سقوطه ؛ إذ لا يقام الحد عند الموت، أو أنه(١٣) أراد بذكر الشهود الأربعة زجره عن قذف المحصنات لما لا يجد الشهود على الحلول(١٤)، فالذي، هو أخفى، وأسر، أبعد.
والثاني : أن الحد قد لزمه بالقذف، فإن أراد إسقاطه لم يسقط إلا ببينة، تقوم على(١٥) حضرة ذلك كمن يقر بقصاص(١٦) أو حق من الحقوق، ثم ادعى العفو في ذلك أو إسقاط ما أقر به(١٧) والخروج منه، لم يصدق إلا ببينة تقوم على حضرة ذلك.
فعلى ذلك قوله :]ثم لم يأتوا بأربعة شهداء[ وقع ذلك الحد(١٨) على حضرة القذاف(١٩). فإن أتى به، وإلا حد، الله أعلم.
ثم المسالة بأنه إذا أتى بأربعة فساق ذرأ عن نفسه الحد عندنا.
والقياس ألا يطالب بشهود عدول، لأن العدول، لا يشهدون ذلك المشهد، ولا ينظرون إليه، وإنما يشهده الفساق، ( فهو أحق )(٢٠) أن يدرأ بهم الحد عنه من العدول، وليس كالشهادة على إقامة حد الزنى، لأن قصدهم بالنظر إلى ذلك المكان قصد إقامة الشهادة وإيجاب الحد على فاعل ذلك.
لذلك لم يصبروا فسقة، ولأنهم لا يشهدون بذلك إلا عن توبة تكون منهم، إذ يملكون التوبة.
ولأن الفساق من أهل الشهادة ليسوا(٢١) كالكفار والعبيد. وهؤلاء، وإن كانت لا تقبل شهادة الفساق، فهم من أهل الشهادة.
ألا ترى أن من قذف كان(٢٢) فاسقا، أو إن(٢٣) كانت امرأة قذفها (٢٤) زوجها، وهو فاسق، فإنا(٢٥) نحد القاذف(٢٦) الفاسق ويلاعن بين الزوج وبين امرأته ؟ وإن قذف مسلم كافرا، أو قذف حر عبدا، أو إن قذف أحدهما زوجه(٢٧)، لم يلاعن بينهما ؟.
فمن خالفنا في هذا اللعان فليس يخالفنا في أن الحر قذف العبد، والمسلم إذا قذف الكافر، فلا حد على واحد منهما، فهذا كله يدل أن الفاسق من أهل الشهادة والكافر والعبد والمحدود في القذف ليسوا من أهل الشهادة.
فإذا كانوا من أهل الشهادة، ولم تقبل شهادتهم في غيره، فأوجب ذلك شبهة، والحدود مما تدرأ بالشبهات. لذلك درئ عنه(٢٨) الحد.
وأما الكافر والعبد والمحدود في قذف، فإن لم يكونوا من أهل الشهادة(٢٩) لم تجب شبهه في درء الحد عنهم(٣٠) لذلك اقترفا.
ثم المسألة : إذا جاء الشهود متفرقين حدوا، ولم تقبل شهادتهم.
والقياس عندنا ألا يُحدوا لأنهم إنما يقومون في الشهادة محتسبين، لا يقصدون بها قذفه وشتمه. وأما الرامي فإنه يقصد قصد شتمه وقذفه، ولأن الشاهد، يقول : رأيته فعل كذا والرامي، يقول : أنت كذا، فكان كمن يقول ( عن آخر )(٣١) : رأيته كفر، لم يُضرب بهذا القول، ولو قال : يا كافر ضرب لأن هذا خرج ( مخرج )(٣٢) الشتم، والأول لا. فعلى ذلك الأول.
لكنهم أقاموا الحد على الشهود، إذا جاؤوا متفرقين، لأن الله أكد الشهادة بالزنى بأمرين : أحدهما : ألا يقبل فيها أقل من أربعة، وألا تقبل حتى يقولوا : زنى بها، فيأتوا(٣٣) بهذه اللفظة، ويصفوا بأكثر مما يوصف غيره من النكاح وغيره. فالشهادة بالزنى أحوج على اجتماع الشهود في موطن واحد من اجتماع الشهود على النكاح، إذا عقد بشاهدين متفرقين لم يكن نكاحا.
فالزنى /٣٦٢-أ/ الذي كان أمره أوكد(٣٤)، والحاجة إليه أحوج، أحق ألا يقبل.
والثاني : ما جاء عن عمر أن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنى، وفيهم أبو بكرة، فجلدهم عمر جميعا لما لم يشهدوا الرابع كما شهدوا هم. وكان ذلك بحضرة أصحاب النبي ﷺ، فلم ينكر عليه أحد. فكان ذلك إجماعا.
ألا ترى أن أبا بكر قال بعد ذلك، أنا أشهد، فهم عمر أن يجلده، فقال له علي رضي الله عنه : إن جلدت هذا فالرجم صاحبك ؟ فلم ينكر عليه علي جلده إياهم إذا لم يتم أربعة، إنما أنكر إذا تم، والله أعلم.
لذلك قلنا : إنهم إذا جاؤوا فرادى متفرقين، صاروا قذفة، ولا ينظر به حضور من بقي منهم كما لم ينتظر عمر.
ثم مسألة أخرى : أنه إذا جاء أربعة، واحدهم زوج قبل عندنا، ودرئ عنه الحد لما روي عن(٣٥) ابن عباس رضي الله عنه وغيره من السلف ولأن الشهادة عليها وشهادة الزوج على امرأته تقبل، وإنما ترد إذا شهد لها.
ألا ترى أنه لو شهد عليها في الديون والقصاص والسرقة، وغير ذلك من الحقوق قبل ؟ فعلى ذلك في هذا قيل : إن الزوج إنما يشهد لنفسه، وفيه منفعة له لأن حده اللعان ؛ إذا قذفها فهو يزيل اللعان عن نفسه.
قيل : إنما يكون حد الزوج اللعان إذا قذفها قبل أن يرتفعا إلى الحاكم. فإذا فعل ذلك، ثم شهد مع ثلاثة ( لم تجز شهادته. وأما إذا كان أول ما بدأ به أن جاء مع ثلاثة )(٣٦)، فشهدوا عليها بالزنى فليس يبطل بشهادته عن نفسه شيئا، وجب عليه.
ألا ترى أن الأجنبي إذا قذف امرأته، ثم جاء ليشهد بذلك عليها مع ثلاثة، فإن(٣٧) شهادته، لا تجوز لأن الحد قد لزمه قبل شهادته ؟ وهو يدفع الحد الذي وجب عليه بشهادته، فلا تقبل. وأنه لو جاء مع ثلاثة، وكان أول أمرهم أن يشهدوا عليها بالزنى، فشهادتهم جائزة، ولا يقال : إن أحدا منهم يدفع عن نفسه شيئا، وجب عليه، فعلى ذلك الزوج.
وقوله تعالى :]ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون[ تسمية الفسق لهم لا تخلو : إما أن كان لما رموا، وقذفوا به بريئا من ذلك، أو لما هتكوا عليه الستر من غير أن هتك هو على نفسه.
فإن كان الأول فذلك لا يعلم إلا الله. فعلى ذلك توبته، لا تظهر عندنا ؛ فإنما ذلك في ما بينه وبين ربه. فكأنه قال :]وأولئك هم الفاسقون[ عندكم ]إلا الذين تابوا[ ( النور : ٥ ).
وإن كان الثاني فإنا نعلمه. فكأنه قال :]وأولئك هم الفاسقون[ عندكم ]إلا الذين تابوا[ لا تظهر توبته عندنا، لأن توبته هو أن يعزم ألا يهتك على أخر ستره، أو يعزم ألا يقذف بريئا من الزنى أبدا.
فأي الوجهين كان تسميته فسقهم فإن التوبة من ذلك لا تظهر عند الناس. لذلك لم تقبل ( شهادتهم )(٣٨) ولذلك قال ابن عباس : وإنما توبته في ما بينه وبين الله ؛ إذا تاب غفر الله له ذنبه : الفرية. وكذلك روي عن غير واحد من السلف من نحو الحسن وإبراهيم وأمثال
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ من م، في الأصل: عن..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ ساقطة من الأصل وم.
٨ في الأصل وم: ولا..
٩ في الأصل وم: و بها..
١٠ الفاء ساقطة من الأصل وم..
١١ في الأصل وم: فليهما..
١٢ في الأصل وم : فظاهر هذا أنه..
١٣ في الأصل وم: أن..
١٤ في الأصل وم: الحلال..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ أدرج قبلها في الأصل : له..
١٧ في الأصل وم: له..
١٨ ساقطة من الأصل وم..
١٩ في الأصل وم: القذف..
٢٠ في م : أحق، ساقطة من الأصل..
٢١ من م، في الأصل: ليس..
٢٢ ساقطة من الأصل وم..
٢٣ ساقطة من الأصل وم..
٢٤ في الأصل وم: فقذفها..
٢٥ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٢٦ في الأصل وم: قاذف..
٢٧ في الأصل وم: زوجته..
٢٨ يعود الضمير على الفاسق..
٢٩ من م، ساقطة من الأصل..
٣٠ من م، ساقطة من الأصل..
٣١ في الأصل وم: لآخر..
٣٢ ساقطة من الأصل وم..
٣٣ في الأصل وم: فيأتون..
٣٤ في الأصل وم: واكد..
٣٥ من م، ساقطة من الأصل..
٣٦ من م، ساقطة من الأصل..
٣٧ في الأصل: أو، في م: إن..
٣٨ ساقطة من الأصل وم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى