تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( والخامسة أَنَّ غَضَبَ الله عليها إن كان من الصادقين ) وقرىء :" أَنْ غَضَبُ الله عليها "، وقرىء :" أن غَضِبَ الله عليها " بكسر الضاد(١) فقوله :( أَنْ غَضِبَ الله عليها ) هذا فعل، وقوله :( أَنَّ غَضَبَ الله عليها ) اسم، وقوله :( أَن غَضَبُ الله ) هو ( فعل ) (٢) أيضا، يعني : أنه غضب الله.
وقوله :( إن كان من الصادقين ) أي : فيما رماها به من الزنا، وسبب نزول الآية، ما روى ابن عباس «أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء عند النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ : البينة، ( وإلا ) (٣) فحد في ظهرك فقال هلال : يا رسول الله، والذي بعثك بالحق إني لصادق، وسينزل الله ما يبرىء ظهري من الحد، فنزلت هذه الآية، فدعا رسول الله ﷺ هلالا وامرأته، ولاعن بينهما، فبدأ هلال، والتعن أربع مرات، فلما بلغ الخامسة قال له النبي ﷺ : أمسك فإنها موجبة. فقال هلال إن الله يعلم أني صادق وشهد بالخامسة، ثم قامت المرأة فالتعنت أربع مرات، فلما بلغت الخامسة قال لها النبي ﷺ : أمسكي فإنها موجبة. قال ابن عباس : فتلكت تلكؤا ساعة، حتى ظننا أنها سترجع ثم قالت : لا أفضح قومي اليوم، وشهدت بالخامسة، فقال النبي ﷺ :«إن جاءت بالولد أكحلَ العينين سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ خَدْلَجَ الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به على هذا النعت، فقال النبي ﷺ :«لولا الأيمان لكان لي ولها شأن »(٤). والخبر صحيح.
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال :«كنا جلوسا في المسجد ليلة جمعة، ومعنا رجل فخرج منا ودخل بيته، فوجد مع امرأته رجلا، فجاء إلى النبي ﷺ، وشكا إليه فقال : عليك بالشهود فقال : وأنى لي بالشهود ؟ فقال : قد حرت في هذا الأمر، فإن الرجل إن قتل قتلتموه، وإن تكلم حددتموه، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم فاحكم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات »(٥). وفي رواية ثالثة : أنه لما أنزل الله تعالى :( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربع شهداء. . . الآية ) قال [ سعد ] (٦) بن عبادة : يا رسول الله، أرأيت أني وجدت لكاعا ( يتفخذ ) (٧) رجل، فلا أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء ؟ فإلى أن آتي بالشهداء قد قضى الرجل حاجته، فقال النبي ﷺ :«انظروا يا معشر الأنصار ما يقول سيدكم »، فقالوا : يا رسول الله، إنه لرجل غيور، وإنه ما تزوج امرأة قط إلا عذراء، وما طلق امرأة فأحب أحد منا أن يتزوجها، فقال سعد : إني أعلم أن ما أنزل الله حق، ولكني تعجبت، فأنزل الله تعالى آية اللعان »(٨) على ما بينا.
وفي الباب أخبار كثيرة، وفيه حديث عاصم بن عدي [ وعويمر ] (٩) العجلاني وغيرهما، وذلك مذكور في كتب الحديث.
١ - قرأ نافع ويعقوب بإسكان النون مخففة، والباقون بتشديدها، واختص نافع بكسر الضاد وفتح الباء من "غضب" ورفع لفظ الجلالة بعده، واختص يعقوب برفع الباء من "غضب"، وقرأ الباقون بنصب "غضب". انظر النشر في القراءات العشر (٢/٣٣٠-٣٣١)..
٢ - كذا !..
٣ - في "ك": أو..
٤ - رواه البخاري في صحيحه (٨/٣٠٣-٣٠٤ رقم ٤٧٤٧، وطرفاه في : ٢٦٧١، ٥٣٠٧، والترمذي (٥/٣٠٩-٣١٠ رقم ٣١٧٩) وقال: حسن غريب، وأبو داود (٢/٢٧٦ رقم ٢٢٥٤)، وابن ماجه (١/٦٦٨ رقم ٢٠٦٧) من حديث ابن عباس بنحوه مطولا وبعضهم مختصراً..
٥ - رواه مسلم (١٠/١٧٩-١٨٠ رقم ١٤٩٥)، وأبو داود (٢/٢٧٥-٢٧٦ رقم ٢٢٥٣)، وابن ماجه (١/٦٦٩ رقم ٢٠٦٨)، وأحمد (١/٤٤٨)..
٦ - في "الأصل": سعيد، والصواب: سعد كما سيأتي في تخريج حديثه..
٧ - هكذا في النسختين، ولعل الصواب: يتفخذها..
٨ - رواه أحمد (١/٢٣٨-٢٣٩)، والطيالسي (٣١٩-٣٢٠ رقم ١٢٦٠)، وابن جرير (١٨/٦٥-٦٦)، وأبو يعلى (٥/١٢٤-١٢٧ رقم ٢٧٤٠)، والبيهقي (٧/٣٩٤-٣٩٥)، والواحدي في أسباب النزول (٢٣٧-٢٣٨) جميعهم من حديث ابن عباس به مطولا. وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٥): حديث ابن عباس في الصحيح باختصار، ورواه أبو يعلى وأحمد.. ومداره على عباد بن منصور، وهو ضعيف.
ونسبه السيوطي في الدر (٥/٢٤) لعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه..

٩ - في "الأصل": عويم، والصواب عويمر. وحديث عاصم وعويمر متفق عليه من رواية سهل بن سعد، رواه البخاري (٩/٣٥٥ رقم ٥٣٠٨)، ومسلم (١٠/١٦٨-١٧٤ رقم ١٤٩٢)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى