اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون﴾ الآية لما ذكر عذاب الكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين فقال " مثلُ الجَنَّة ".
قال سيبويه :" مثَلُ الجنَّة " مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير : فيما قصصنا أو فما يتلى عليكم مثل الجنة وعلى هذا فقوله ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ تفسير لذلك المثل.
وقال أبو البقاء :" فعلى هذا " تَجْرِي " حال من العائد المحذوف في " وُعِدَ
أي : وعدها مقدراً جريان أنهارها ".
ثم نقل عن الفراء : أنه جعل الخبر قوله :" تَجْرِي " قال :" وهذا خطأ عند البصريين، قال : لأن المثل لا تجري من تحته الأنهار وإنما هو من صفات المضاف إليه، وشبهته : أن المثل هنا بمعنى الصفة فهو كقوله : صفة زيد أنه طيل ويجوز أن يكون " تَجْرِي " مستأنفاً.
وهذا الذي ذكره أبو البقاء نقل نحوه الزمخشري، ونقل غيره عن الفراء في الآية تأويلين آخرين :
أحدهما : على حذف لظفه " أنها " والأصل : صفة الجنة أنها تجري وهذا منه تفسير معنى لا إعراب، وكيف تحذف " أنها " من غير دليل ؟.
والثاني : أن لفظة " مثلُ " زائدة، والأصل : الجنة تجري من تحتها الأنهار، وزيادة " مثِلُ " في لسانهم كثير، ومنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] وقد تقدم.
قال الزمخشري :" وقال غيره، أي غير سيبويه : الخبر ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ كما تقول : صفة زيد أسمر ".
قال أبو حيان :" وهذا أيضاً لا يصح أن يكون : تجْري " خبراً عن الصفة ولا " أسمر " خبراً عن الصفة، وإنما يتاول " تَجْرِي " على إسقاط " أن " ورفع الفعل، والتقدير أن تجري، أي : جريانها ".
وقال الزجاج :" مثلُ الجنَّةِ " " جنة " على حذف المضاف تمثيلاً لما غاب بما نشاهده.
ورد عليه أبو علي قال :" لا يصح ما قال الزجاج لا على معنى الصفة ولا على معنى الشبه ؛ لأن الجنة التي قدرها جثَّة ولا تكون الصفة، ولأن الشبه عبارة عن المماثلة بين المتماثلين وهوحدث والجنة جثة فلا تكون [ المماثلة ] ".
والجمهور على أن المثل هنا بمعنى الصفة، فلس هنا ضرب مثل، فهو كقوله تعالى :﴿وَلِلَّهِ المثل الأعلى﴾ [النحل: ٦٠]، وأنكر أبو علي أن يكون بمعنى الصفة، وقال : معناه : الشبه.
وقرأ علي وابن مسعود " أمْثَالُ الجنَّةِ "، أي : صفاتها وقد تقدم خلاف القراء فيه في البقرة.

فصل


اعلم أنه تعالى وصف الجنة بصفات ثلاث :
أولها :﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾.
وثانيها :﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ﴾ أي : لا ينقطع ثمرها ونعيمها بخلاف جنات الدنيا.
و " أكلها دائم " كقوله :" تجري " في الاستئناف التفسيري، أو الخبري، أو الحالية، وقد تقدم.
وثالثها : ظلها ظليل لا يزول، أي : ليس هناك حر ولا برد ولا شمس ولا قمر ولا ظله نظيره قوله تعالى :﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾
[الإنسان: ١٣] وهذا رد على الجهمية حيث قالوا : نعيم الجنة يفنى.
ولما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاث، بين أن تلك عقبى المتقين، أي : عاقبتهم، يعنى الجنة، وعاقبة الكافرين النار.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى