اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ الآية لما ذكر الدَّليل على معرفة المبدأ ذكر بعده ما يدلُّ على المعادِ.
قال ابن عبَّاس رضي الله عهما :" إنْ تعجب من تكذيبهم إيَّاك بعد ما حكموا عتليك بأنَّك من الصَّادقين، فهذا عجبٌ ".
وقيل : إن تعجب يا محمَّدُ من عبادتهم ما لا يملك لهم ضرًّا، ولا نفعاً بعد ما عرفوا الدلائل الدِّالة على التوحيد، فهذا عجبٌ.
وقيل : تقدير الكلام : وإن تعجب يا محمد صلوات الله عليه فقد تعجبت في موضع العجب، لأنهم لما اعترفوا بأنه تعالى مدبِّر السموات، والأرضيين، وخالق الخلق أجمعين، وأنَّه هو الذي رفع السموات بغير عمدٍ ترونها، وأنَّه الذي سخر الشَّمس، والقمر على وفق مصالح العباد، وهو الذي أظهر في العالم أنواع العجائب، والغرائب، فمن كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة، كيف لا تكون وافية بأعادة الإنسان بعد موته ؛ لأنَّ القادر على الأقوى يكون قادراً على الأضعفِ بطريق الأولى، وهذا تقرير موضع التَّعجُّب.
قوله :﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه خبر مقدم، و " قَوْلُهمْ " مبتدأ مؤخَّرٌن ولا بد من حذف [ صفة ] لتتمْ الفائدة، أي : فعجب أي عجب، أو غريب، ونحوه.
الثاني : أنه مبتدأ، وسوَّغ الابتداء ما ذكر من الوصف المقدر، ولا يضر حنيئذٍ كون خبره معرفة، هذا كما أعرب سيبويه : كم مالك وخير من أقصد رجلاً خير منه أبوه مبتدأين لمسوغ الابتداء بهما، وخبرهما معرفةٌ، قاله أبو حيَّان.
وللنزاع فيه مجال ؛ على أنَّ هناك علّة لا تتأتى هنا، وهي : أنَّ الذي حمل سيبويه على ذلك من المسألتين أن أكثر ما تقع موقع " كَمْ "، وخبر " مَا " هو مبتدأ ؛ فلذلك حكم عليهما بحكم الغالب بخلاف ما نحنُ فيه.
الثالث : أنَّ " عَجَبٌ " مبتدأ بمعنى معجب، و " قَوْلُهمْ " فاعل به، قاله أبو البقاء.
ورد عليه أبو حيَّان : بأنهم نصُّوا على أنَّ " فعلاً وفعَلة وفُعْلاً " ينوبُ عن " مَفْعُول " في المعنى، ولا يعمل عمله، فلا تقول :" مَرَرْتُ بِرجُل [ ذبح ] كَبْشَهُ ولا غَرَفَ مَاءهُ ولا قَبضَ مالهُ، وأيضاً فإنَّ الصفات لا تعمل إلاَّ إذا اعتمدت على أشياء مخصوصة وليس منها هنا شيء.
والعَجَبُ : تغير النَّفس برؤية المستبعد في العادة.
وقال القرطبيُّ : العَجَبُ تغير النفس بما يخفى أسبابه.
قوله تعالى :﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يجوز في هذه الجملة الاستفهامية وجهان :
أظهرهما : أنَّها منصوبة المحل لحكايتها بالقول.
والثاني : أنَّها، وما في حيزها في محل رفع بدلاً من :" قَوْلهِمْ " وبه بدأ الزمخشريُّ وعلى هذا فقولهم بمعنى مقولهم ويكونُ بدل كُلِّ ؛ لأنَّ هذا هو نفس " قَوْلُهُم "، و " إذَا " هنا ظرفٌ محضٌ، وليس فيها معنى الشَّرط، والعاملُ فيها مقدر يفسره ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ تقديره : أئذا كُنَّا تراباً نبعث، أو نحشر، ولا يعمل فيها :﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ لا، ما بعد " إذَا " لا يعملُ فيما قبلها، ولا يعمل فيها " كُنَّا " لأضافتها إليها.
واختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافاً منتشراً، وهو في أحد عشر موضعاً في تسع سور من القرآن ولا بد من تعيينها، [ وبيان ] مراتب القرَّاء فيها، فإن ضبطها عسر ليسهل ذلك بعون الله تعالى.
فأولها : ما في هذه السورة.
والثاني، والثالث : الإسراء وهما :﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء: ٤٩] موضعان.
الرابع في المؤمنون :﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢].
الخامس في النمل :﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧].
السادس في العنكبوت :﴿لَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال﴾ [العنكبوت: ٢٨، ٢٩].
السابع في " الم " السجدة :﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠].
الثامن، والتاسع في الصافات موضعان [الصافات: ١٦].
العاشر : في الواقعة :﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧].
الحادي عشر في النازعات :﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً﴾ [النازعات: ١٠، ١١].
فهذه هي المواضع الختلف فيها، وأمَّا ضبط الخلاف فيها بالنِّسبة إلى القراء فيه طريقان :
أحدهما : بالنِّسبةإلى ذكر القرَّاءِ.
والثاني : بالنسبة إلى ذكر السُّور.
فاعلم أنَّ هذه المواضعِ تنقسم قسمين : قسم منها سبعة مواضع لها حكم واحد، وقسم منها أربعة مواضع، لكلِّ منها حكم على حدته.
أمَّا القسمُ الأوَّل فمنه في هذه السورة، والثاني، والثالث في :" سُبْحَانَ " والرابع : في " المؤمنون "، والخامس : في " الم " السجدة، والسادس، والسابع : في الصافات وحكمها :" أنَّ نافعاً، والكسائي يستفهمان في الأول، ويخبران في الثاني، وأن ابن عامر يخبر في الأول، ويستفهم في الثاني، والباقين يستفهمون في الأول والثاني.
وأما القسم الثاني، فأوله ما في سورة النمل، وحكمه : أن نافعاً يخبر عن الأول، ويستفهم في الثاني، وأن ابن عامر والكسائي بعكسه، وأن الباقين يستفهمون فيهما.
الثاني : ما في العنكبوت، وحكمه : أن نافعاً، وابن كثير، وابن عامر، وحفصاً يخبرون في الأول، ويستفهمون في الثاني، والباقون، يستفهمون فيهما.
الثالث : ما في سورة الواقعة، وحكمه : أن نافعاً، والكسائي يستهفمان في الأول، ويخبران في الثاني، والباقون يستفهمون فيهما.
الرابع : ما في سورة النازعات، وحكمه : أن نافعاً وابن عامر والكسائي يستفهمون في الأول، وخبرون في الثاني، والبقاين يستفهمون فيهما.
وأما الطريق الآخر بالنسبة إلى القراء ؛ فإنهم فيها على أربع مراتب :
الأول : أن نافعاً قرأ بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، إلا في النمل والعنكبوت فإنه العكس.
المرتبة الثانية : أنَّ ابن كثير، وحفصاًم قرآ بالاستفهام في الأول والثاني إلا الأول من العنكبوت فقرآه بالخبر.
المرتبة الثالثة : أنَّ ابن عامرٍ قرأ بالخبر في الأوَّل، والاستفهام في الثَّاني إلا في النمل، والواقعة، والنازعات، فقرأ في النمل، والنازعات بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، وفي الواقعة بالاستفهام فيهما.
المرتبة الرابعة : الباقون وهم : أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر رضيه الله عنهم أجمعين قرءوا بالاستفهام في الأول، والثاني، ولم يخالف أحدٌ منهم أصله.
قال شهاب الدين :" وإنما ذكرت هذين الطريقين لعسرهما، وصعوبة استخراجهما من كتب القراءات.
فأمَّا وجه قراءة من استفهم في الأوَّل، والثاني ؛ فقصد المبالغة في الإنكار، فأتى به في الجملة الأولى، وأعاده في الثانية تأكيداً له، ووجه من أتى به مرة واحدة : حصول المقصود به ؛ لأنَّ كل جملة مرتبطة بالأخرى، فإذا أنكر في إحداها حصل الإنكارُ في الأخرى، وأمَّا من خالف أصله في شيءٍ من ذلك، فلاتباع الأثر ".
هذا الخطاب لرسول الله ﷺ ومعناه : أنَّك تعجبُ من إنكارهم النَّشأة الأخرى مع إقرارهم بابتداءِ الخلق، فعجب أمرهم، وكان المشركون ينكرون البعث مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله عزَّ وجلَّ وحقد تقرَّر في القلوب أنَّ الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع العجب.
ثم قال :﴿أولئك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ وهذا يدلُّ على أنَّ من أنكر البعث والقيامة فهو كافرٌ، وإنما لزم من إنكار البعثِ الكفر بالله تعالى ؛ لأنَّ إنكار البعث لا يتمُّ إلا بإنكار القدرة، والعلم، والصدق، وأما إنكار القدرة فكقوله : الله غير قادر على الإعادة، وأما إنكار العلم فكقوله : الله غير عالم بالجزيئات، فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، وأمَّا إنكار الصِّدق فكقولهم : إنَّه أخبر عنه، ولكنه لا يفعل ؛ لأنَّ الكذب جائز عليه، وكل ذلك كفرٌ بالله تعالى.
ثم قال :﴿وَأُوْلَئِكَ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ﴾ قال الأصمُّ : المراد بالأغلالِ : كفرهم وذلهم، وانقيادهم للأصنام، ونظيره قوله تعالى :﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً﴾ [يس: ٨٠] ؛ وقال الشاعر :[ البسيط ]
ويقال للرَّجلُ : هذا غلٌّ في عنقك للعمل الرَّديء، معناه : أنَّه [ ملازم ] لك، وأنت مُجازًى عليه بالعذابِ.
قال القاضي : هذا وإن كان محتملاً ؛ لكن حمل اللفظ على الحقيقة أولى.
قال ابن الخطيب :" أقول على نصرة الأصم، بأن ظاهر الآية يقتضي حصول الأغلال في أعناقهم في الحالِ، وذلك غير حاصل، فإنهم يحملون هذا اللفظ على أنًَّه سيحصل هذا المعنى، ونحنُ نحمله على أنه حاصلٌ من الحالِ، والمراد بالأغلال ما ذكره فكلُّ واحدٍ منا تارك للحقيقة من بعض الوجوه، فلمَ كَانَ قولكم أقوى ؟ ".
وقيل : المعنى : أنَّهُ تعالى يجعل الأغلال في أعناقهم يوم القيامة، ويدلُّ عليه قوله تعالى :
﴿إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] إلى قوله :﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢].
ثم قال :﴿وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ والمراد منه التَّهديد بالعذاب المخلد المؤبّد، وذلك يدلُّ على أنَّ العذاب المؤبَّد ليس إلا للكفَّار ؛ لأن قولهم :﴿هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ يدلُّ على أنَّهم هم الموصوفون بالخُلودِ لا غيرهم فدل على أنَّ أهل الكبائر لا يخلدون في النَّارِ.
فإن قيل : العجبُ هو الذي لا يعرف بسبب، وذلك في حق الله تعالى محالٌ، فكيف قال :" فعجَبٌ قَولُهُمْ " ؟.
فالجواب : المعنى : فعجب عنك.
فإن قيل : قرأ بعضهم :" بَل عَجِبْتُ " بإضافة العجب إلى نفسه.
فالجواب : أنَّا قد بيَّنا أنَّ مثل هذه الألفاظ يجبُ تنزيهها عن مبادىْ الأعراض ويجب حملها على نهايات الأعراض ونهاية التعجب أن الإنسان إذا تعجّب من الشيء أنكره، فكان التعجب في حقِّ الله تعالى محمولاً على الإنكار.
قال ابن عبَّاس رضي الله عهما :" إنْ تعجب من تكذيبهم إيَّاك بعد ما حكموا عتليك بأنَّك من الصَّادقين، فهذا عجبٌ ".
وقيل : إن تعجب يا محمَّدُ من عبادتهم ما لا يملك لهم ضرًّا، ولا نفعاً بعد ما عرفوا الدلائل الدِّالة على التوحيد، فهذا عجبٌ.
وقيل : تقدير الكلام : وإن تعجب يا محمد صلوات الله عليه فقد تعجبت في موضع العجب، لأنهم لما اعترفوا بأنه تعالى مدبِّر السموات، والأرضيين، وخالق الخلق أجمعين، وأنَّه هو الذي رفع السموات بغير عمدٍ ترونها، وأنَّه الذي سخر الشَّمس، والقمر على وفق مصالح العباد، وهو الذي أظهر في العالم أنواع العجائب، والغرائب، فمن كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة، كيف لا تكون وافية بأعادة الإنسان بعد موته ؛ لأنَّ القادر على الأقوى يكون قادراً على الأضعفِ بطريق الأولى، وهذا تقرير موضع التَّعجُّب.
قوله :﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه خبر مقدم، و " قَوْلُهمْ " مبتدأ مؤخَّرٌن ولا بد من حذف [ صفة ] لتتمْ الفائدة، أي : فعجب أي عجب، أو غريب، ونحوه.
الثاني : أنه مبتدأ، وسوَّغ الابتداء ما ذكر من الوصف المقدر، ولا يضر حنيئذٍ كون خبره معرفة، هذا كما أعرب سيبويه : كم مالك وخير من أقصد رجلاً خير منه أبوه مبتدأين لمسوغ الابتداء بهما، وخبرهما معرفةٌ، قاله أبو حيَّان.
وللنزاع فيه مجال ؛ على أنَّ هناك علّة لا تتأتى هنا، وهي : أنَّ الذي حمل سيبويه على ذلك من المسألتين أن أكثر ما تقع موقع " كَمْ "، وخبر " مَا " هو مبتدأ ؛ فلذلك حكم عليهما بحكم الغالب بخلاف ما نحنُ فيه.
الثالث : أنَّ " عَجَبٌ " مبتدأ بمعنى معجب، و " قَوْلُهمْ " فاعل به، قاله أبو البقاء.
ورد عليه أبو حيَّان : بأنهم نصُّوا على أنَّ " فعلاً وفعَلة وفُعْلاً " ينوبُ عن " مَفْعُول " في المعنى، ولا يعمل عمله، فلا تقول :" مَرَرْتُ بِرجُل [ ذبح ] كَبْشَهُ ولا غَرَفَ مَاءهُ ولا قَبضَ مالهُ، وأيضاً فإنَّ الصفات لا تعمل إلاَّ إذا اعتمدت على أشياء مخصوصة وليس منها هنا شيء.
والعَجَبُ : تغير النَّفس برؤية المستبعد في العادة.
وقال القرطبيُّ : العَجَبُ تغير النفس بما يخفى أسبابه.
قوله تعالى :﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يجوز في هذه الجملة الاستفهامية وجهان :
أظهرهما : أنَّها منصوبة المحل لحكايتها بالقول.
والثاني : أنَّها، وما في حيزها في محل رفع بدلاً من :" قَوْلهِمْ " وبه بدأ الزمخشريُّ وعلى هذا فقولهم بمعنى مقولهم ويكونُ بدل كُلِّ ؛ لأنَّ هذا هو نفس " قَوْلُهُم "، و " إذَا " هنا ظرفٌ محضٌ، وليس فيها معنى الشَّرط، والعاملُ فيها مقدر يفسره ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ تقديره : أئذا كُنَّا تراباً نبعث، أو نحشر، ولا يعمل فيها :﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ لا، ما بعد " إذَا " لا يعملُ فيما قبلها، ولا يعمل فيها " كُنَّا " لأضافتها إليها.
واختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافاً منتشراً، وهو في أحد عشر موضعاً في تسع سور من القرآن ولا بد من تعيينها، [ وبيان ] مراتب القرَّاء فيها، فإن ضبطها عسر ليسهل ذلك بعون الله تعالى.
فأولها : ما في هذه السورة.
والثاني، والثالث : الإسراء وهما :﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء: ٤٩] موضعان.
الرابع في المؤمنون :﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢].
الخامس في النمل :﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧].
السادس في العنكبوت :﴿لَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال﴾ [العنكبوت: ٢٨، ٢٩].
السابع في " الم " السجدة :﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠].
الثامن، والتاسع في الصافات موضعان [الصافات: ١٦].
العاشر : في الواقعة :﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧].
الحادي عشر في النازعات :﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً﴾ [النازعات: ١٠، ١١].
فهذه هي المواضع الختلف فيها، وأمَّا ضبط الخلاف فيها بالنِّسبة إلى القراء فيه طريقان :
أحدهما : بالنِّسبةإلى ذكر القرَّاءِ.
والثاني : بالنسبة إلى ذكر السُّور.
فاعلم أنَّ هذه المواضعِ تنقسم قسمين : قسم منها سبعة مواضع لها حكم واحد، وقسم منها أربعة مواضع، لكلِّ منها حكم على حدته.
أمَّا القسمُ الأوَّل فمنه في هذه السورة، والثاني، والثالث في :" سُبْحَانَ " والرابع : في " المؤمنون "، والخامس : في " الم " السجدة، والسادس، والسابع : في الصافات وحكمها :" أنَّ نافعاً، والكسائي يستفهمان في الأول، ويخبران في الثاني، وأن ابن عامر يخبر في الأول، ويستفهم في الثاني، والباقين يستفهمون في الأول والثاني.
وأما القسم الثاني، فأوله ما في سورة النمل، وحكمه : أن نافعاً يخبر عن الأول، ويستفهم في الثاني، وأن ابن عامر والكسائي بعكسه، وأن الباقين يستفهمون فيهما.
الثاني : ما في العنكبوت، وحكمه : أن نافعاً، وابن كثير، وابن عامر، وحفصاً يخبرون في الأول، ويستفهمون في الثاني، والباقون، يستفهمون فيهما.
الثالث : ما في سورة الواقعة، وحكمه : أن نافعاً، والكسائي يستهفمان في الأول، ويخبران في الثاني، والباقون يستفهمون فيهما.
الرابع : ما في سورة النازعات، وحكمه : أن نافعاً وابن عامر والكسائي يستفهمون في الأول، وخبرون في الثاني، والبقاين يستفهمون فيهما.
وأما الطريق الآخر بالنسبة إلى القراء ؛ فإنهم فيها على أربع مراتب :
الأول : أن نافعاً قرأ بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، إلا في النمل والعنكبوت فإنه العكس.
المرتبة الثانية : أنَّ ابن كثير، وحفصاًم قرآ بالاستفهام في الأول والثاني إلا الأول من العنكبوت فقرآه بالخبر.
المرتبة الثالثة : أنَّ ابن عامرٍ قرأ بالخبر في الأوَّل، والاستفهام في الثَّاني إلا في النمل، والواقعة، والنازعات، فقرأ في النمل، والنازعات بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، وفي الواقعة بالاستفهام فيهما.
المرتبة الرابعة : الباقون وهم : أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر رضيه الله عنهم أجمعين قرءوا بالاستفهام في الأول، والثاني، ولم يخالف أحدٌ منهم أصله.
قال شهاب الدين :" وإنما ذكرت هذين الطريقين لعسرهما، وصعوبة استخراجهما من كتب القراءات.
فأمَّا وجه قراءة من استفهم في الأوَّل، والثاني ؛ فقصد المبالغة في الإنكار، فأتى به في الجملة الأولى، وأعاده في الثانية تأكيداً له، ووجه من أتى به مرة واحدة : حصول المقصود به ؛ لأنَّ كل جملة مرتبطة بالأخرى، فإذا أنكر في إحداها حصل الإنكارُ في الأخرى، وأمَّا من خالف أصله في شيءٍ من ذلك، فلاتباع الأثر ".
فصل
هذا الخطاب لرسول الله ﷺ ومعناه : أنَّك تعجبُ من إنكارهم النَّشأة الأخرى مع إقرارهم بابتداءِ الخلق، فعجب أمرهم، وكان المشركون ينكرون البعث مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله عزَّ وجلَّ وحقد تقرَّر في القلوب أنَّ الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع العجب.
ثم قال :﴿أولئك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ وهذا يدلُّ على أنَّ من أنكر البعث والقيامة فهو كافرٌ، وإنما لزم من إنكار البعثِ الكفر بالله تعالى ؛ لأنَّ إنكار البعث لا يتمُّ إلا بإنكار القدرة، والعلم، والصدق، وأما إنكار القدرة فكقوله : الله غير قادر على الإعادة، وأما إنكار العلم فكقوله : الله غير عالم بالجزيئات، فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، وأمَّا إنكار الصِّدق فكقولهم : إنَّه أخبر عنه، ولكنه لا يفعل ؛ لأنَّ الكذب جائز عليه، وكل ذلك كفرٌ بالله تعالى.
ثم قال :﴿وَأُوْلَئِكَ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ﴾ قال الأصمُّ : المراد بالأغلالِ : كفرهم وذلهم، وانقيادهم للأصنام، ونظيره قوله تعالى :﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً﴾ [يس: ٨٠] ؛ وقال الشاعر :[ البسيط ]
| ٣١٦٥. . . . . . . . . . . . . . . . . . | لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أغْلالٌ وأقْيَادُ |
قال القاضي : هذا وإن كان محتملاً ؛ لكن حمل اللفظ على الحقيقة أولى.
قال ابن الخطيب :" أقول على نصرة الأصم، بأن ظاهر الآية يقتضي حصول الأغلال في أعناقهم في الحالِ، وذلك غير حاصل، فإنهم يحملون هذا اللفظ على أنًَّه سيحصل هذا المعنى، ونحنُ نحمله على أنه حاصلٌ من الحالِ، والمراد بالأغلال ما ذكره فكلُّ واحدٍ منا تارك للحقيقة من بعض الوجوه، فلمَ كَانَ قولكم أقوى ؟ ".
وقيل : المعنى : أنَّهُ تعالى يجعل الأغلال في أعناقهم يوم القيامة، ويدلُّ عليه قوله تعالى :
﴿إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] إلى قوله :﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢].
ثم قال :﴿وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ والمراد منه التَّهديد بالعذاب المخلد المؤبّد، وذلك يدلُّ على أنَّ العذاب المؤبَّد ليس إلا للكفَّار ؛ لأن قولهم :﴿هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ يدلُّ على أنَّهم هم الموصوفون بالخُلودِ لا غيرهم فدل على أنَّ أهل الكبائر لا يخلدون في النَّارِ.
فإن قيل : العجبُ هو الذي لا يعرف بسبب، وذلك في حق الله تعالى محالٌ، فكيف قال :" فعجَبٌ قَولُهُمْ " ؟.
فالجواب : المعنى : فعجب عنك.
فإن قيل : قرأ بعضهم :" بَل عَجِبْتُ " بإضافة العجب إلى نفسه.
فالجواب : أنَّا قد بيَّنا أنَّ مثل هذه الألفاظ يجبُ تنزيهها عن مبادىْ الأعراض ويجب حملها على نهايات الأعراض ونهاية التعجب أن الإنسان إذا تعجّب من الشيء أنكره، فكان التعجب في حقِّ الله تعالى محمولاً على الإنكار.