الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ : حالٌ من " البحرَيْنِ " وهي قريبةٌ من الحال المقدرةِ. ويجوز بتجوُّزِ أَنْ تكونَ مقارنَةً. و " بينهما بَرْزَخٌ " يجوز أن تكونَ جملةً مستأنفةً، وأَنْ تكونَ حالاً، وأَنْ يكونَ الظرفُ وحدَه هو الحالَ. والبَرْزَخ : فاعلٌ به وهو أحسنُ لقُرْبه من المفرد. وفي صاحبِ الحال وجهان، أحدُهما : هو " البحرَيْن "، والثاني : هو فاعلُ " يَلْتقيان " ولا " يَبْغِيان " حالٌ أخرى كالتي قبلَها أي : مَرَجَهما غيرَ باغيَيْن، أو يلتقيان غيرَ باغيين، أو بينهما بَرْزَخٌ في حالِ عَدَمِ بَغْيهما. وهذه الحالُ في قوة التعليل ؛ إذ المعنى : لئلا يَبْغِيا. وقد تَمَحَّل بعضُهم وقال : أصلُ ذلك لئلا يَبْغِيا، ثم حَذَفَ حرفَ العلة، وهو مُطَّرِدٌ مع " أَنْ " و " أَنَّ "، ثم حُذِفَتْ " أَنْ " أيضاً وهو حَذْفٌ مُطَّرِد كقولِه تعالى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: ٢٤] فلمَّا حُذِفَتْ " أَنْ " ارتفع الفعلُ، وهذا غيرُ ممنوعٍ، إلاَّ أنه يتكرَّرُ فيه الحَذْفُ، وله أَنْ يقولَ : قد جاء الحَذْفُ أكثرَ مِنْ ذلك فيما هو أَخْفَى من هذا، كما تقدَّم في ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩]، وكما سيأتي في قولِه :﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٢].