التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤١:ثم بين - سبحانه - ما يحل بالمجرمين فى هذا اليوم من عذاب فقال :﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
وقوله :﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ أى : بعلاماتهم التى تدل عليهم، وهى زرقة العيون. وسواد الوجوه، كما فى قوله - تعالى - :﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ...﴾ وكما فى قوله - سبحانه - :﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً...﴾ والنواصى : جمع ناصية، وهى مقدم الرأس. والأقدام : جمع قدم، وهو ظاهر الساق، و " ال " فى هذين اللفظين عوض عن المضاف إليه.
والمراد بالطواف فى قوله :﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا..﴾ كثرة التردد والرجوع إليها بين وقت وآخر.
والحميم : الماء الشديد الغليان والحرارة.
و ﴿آنٍ﴾ : أى : قد بلغ النهاية فى شدة الحرارة، يقال : أَنَى الحميم، أى انتهى حره إلى أقصى مداه، فهو آن وبلغ الشىء أناه - بفتح الهمزة وكسرها - إذا وصل إلى غاية نضجه وإدراكه، ومنه قوله - تعالى - :﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أى : نضجه.
أى : فى هذا اليوم، وهو يوم الحساب والجزاء ﴿يُعْرَفُ المجرمون﴾ بسواد وجوههم، وزرقة عيونهم، وبما تعلو أفئدتهم من غبرة ترهقها قترة. فتأخذ الملائكة بالشعر الذى فى مقدمة رءوسهم، وبالأمكنة الظاهرة من سيقانهم، وتقذف بهم فى النار، وتقول لهم على سبيل الإهانة والإذلا : هذه جهنم التى كنتم تكذبون بها فى الدنيا أيها المجرمون، فترددوا بين مائها الحار، وبين سعيرها البالغ النهاية فى الشدة.
وفى قوله :﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ إشارة إلى التمكن منهم تمكنا شديدا، بحيث لا يستطيعون التفلت أو الهرب.
وقد ختمت كل آية من هذه الآيات السابقة بقوله - تعالى - :﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ لأن عقاب العصاة المجرمين، وإثابة الطائعين المتقين، يدل على كمال عدله - سبحانه -، وعلى فضله ونعمته على من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى.
قال الإمام ابن كثير : ولما كان معاقبة العصاة المجرمين، وتنعيم المتقين، ومن فضله. ورحمته، وعدله، ولطفه بخلقه، وكان إنذاره لهم من عذابه وبأسه، مما يزجرهم عما هم فيه من الشرك والمعاصى وغير ذلك قال ممتنا بذلك على بريته ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى