التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان آية ثانية، دالة على كمال قدرته ورأفته بعباده، فقال :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ أى : ومن آياته الدالة على رحمته بكم، أنه - سبحانه - خلق لكم ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أى : من جنسكم فى البشرية والإِنسانية أزواجا.
قال الآلوسى : قوله :﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع آدم - عليه السلام - متضمن لخلقهن من أنفسكم " فمن " للتبعيض والأنفس بمعناها الحقيقى، ويجوز أن تكون " من " ابتدائية، والأنفس مجاز عن الجنس، أى : خلق لكم من جنسكم لا من جنس آخر، قيل : هو الأوفق لما بعد.
وقوله - سبحانه - :﴿لتسكنوا إِلَيْهَا﴾ بيان لعلة خلقهم على هذه الطريقة. أى : خلق لكم من جنسكم أزواجا، لتسكنوا إليها، ويميل بعضكم إلى بعض، فإن الجنس إلى الجنس أميل، والنوع إلى النوع أكثر ائتلافا وانسجاما ﴿وَجَعَلَ﴾ - سبحانه - ﴿بَيْنَكُم﴾ يا معشر الأزواج والزوجات ﴿مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ أى : محبة ورأفة، لم تكن بينكم قبل ذلك، وإنما حدثت عن طريق الزواج الذى شرعه - سبحانه - بين الرجال والنساء، والذى وصفه - تعالى - بهذا الوصف الدقيق، فى قوله - عز وجل - :
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذى ذكرناه لكم قبل ذلك ﴿لآيَاتٍ﴾ عظمة تهدى إلى الرشد وإلى الاعتبار ﴿لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فى مظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته بخلقه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى