مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي
عن الكتاب
﴿وَهُوَ الذى يَبْدَأُ الخلق﴾ أي ينشئهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ للبعث ﴿وَهُوَ﴾ أي البعث ﴿أَهْوَنُ﴾ أيسر ﴿عَلَيْهِ﴾ عندكم لأن الإعادة عندكم أسهل من الإنشاء فلم أنكرتم الإعادة، وأخرت الصلة في قوله ﴿وهو أهون عليه﴾ وقدمت في قوله :﴿وَهُوَ عَليَّ هَيّنٌ﴾ [مريم: ٩] لقصد الاختصاص هناك، وأما هنا فلا معنى للاختصاص. وقال أبو عبيدة والزجاج وغيرهما الأهون بمعنى الهين فيوصف به الله عز وجل وكان ذلك على الله يسيراً كما قالوا : الله أكبر أي كبير، والإعادة في نفسها عظيمة ولكنها هونت بالقياس إلى الإنشاء، أو هو أهون على الخلق من الإنشاء لأن قيامهم بصيحة واحدة أسهل من كونهم نطفاً ثم علقاً ثم مضغ إلى تكميل خلقهم ﴿وَلَهُ المثل الأعلى فِى السماوات والأرض﴾ أي الوصف الأعلى الذي ليس لغيره وقد عرف به ووصف في السماوات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة وغيرهما من المقدورات ويدل عليه قوله ﴿وَهُوَ العزيز﴾ أي القاهر لكل مقدور ﴿الحكيم﴾ الذي يجري كل فعل على قضايا حكمته وعلمه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : المثل الأعلى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السميع البصير﴾ [الشورى: ١١].