فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
﴿وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ﴾ أي قحط وشدّة ﴿دَعَوْاْ رَبَّهُمْ﴾ أن يرفع ذلك عنهم واستغاثوا به ﴿مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي راجعين إليه ملتجئين به لا يعوّلون على غيره.
وقيل : مقبلين عليه بكل قلوبهم ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً﴾ بإجابة دعائهم ورفع تلك الشدائد عنهم ﴿إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿إذا﴾ هي الفجائية وقعت جواب الشرط لأنها كالفاء في إفادة التعقيب، أي فاجأ فريق منهم الإشراك وهم الذين دعوه، فخلصهم مما كانوا فيه. وهذا الكلام مسوق للتعجيب من أحوالهم وما صاروا عليه من الاعتراف بوحدانية الله سبحانه عند نزول الشدائد والرجوع إلى الشرك عند رفع ذلك عنهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان يلبي أهل الشرك : لبيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله :﴿هَلْ لَّكُمْ مّن مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن شُرَكَاء﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : هي في الآلهة، وفيه يقول : تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ قال : دين الله ﴿ذلك الدين القيم﴾ قال : القضاء القيم. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن الأسود ابن سريع، أن رسول الله ﷺ بعث سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين، فانتهى القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال النبي ﷺ :«ما حملكم على قتل الذرية ؟» قالوا : يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين، قال :«وهل خياركم إلاّ أولاد المشركين ؟ والذي نفسي بيده ما من نسمة تولد إلاّ على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها» وأخرج أحمد من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله ﷺ :«كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً» رواه أحمد عن الربيع بن أنس عن الحسن عن جابر. وقال الإمام أحمد في المسند : حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حماد : أن رسول الله ﷺ خطب يوماً، فقال في خطبته حاكياً عن الله سبحانه :«وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» الحديث.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى