غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراآت :﴿عاقبة﴾ بالنصب : ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون : بالرفع. ﴿السوأى﴾ بالإمالة : أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحماد ﴿يرجعون﴾ على الغيبة : أبو عمرو غير عباس وأوقية وسهل ويحيى وحماد ﴿تخرجون﴾ بفتح التاء وضم الراء : حمزة وعلي وخلف. الباقون : مجهولاً ﴿للعالمين﴾ بكسر اللام : حفص يفصل على الغيبة : عباس. الآخرون : بالنون.
الوقوف :﴿ألم﴾ كوفي ﴿غلبت﴾ ﴿الروم﴾ ٥ ﴿سيغلبون﴾ ٥ ﴿سنين﴾ ٥ ﴿ومن بعد﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ٥ ﴿ينصر الله﴾ ط وكلاهما مبني على أن قوله ﴿بنصر الله﴾ يتعلق بـ ﴿يفرح﴾ ﴿بنصر من يشاء﴾ ط ﴿الرحيم﴾ ٥ ﴿وعد الله﴾ ٥ ﴿لا يعلمون﴾ ٥ ﴿الدنيا﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى ﴿غافلون﴾ ٥ ﴿في أنفسهم﴾ ط لحق الحذف أي فيعلموا ذلك أو فيقولوا هذا القول ﴿مسمى﴾ ط ﴿لكافرون﴾ ٥ ﴿من قبلهم﴾ ط ﴿بالبينات﴾ ط ﴿يظلمون﴾ ٥ لا لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿يستهزءون﴾ ٥ ﴿يرجعون﴾ ٥ ﴿المجرمون﴾ ٥ والوصل جائز ﴿كافرين﴾ ٥ ﴿يتفرقون﴾ ٥ ﴿يجبرون﴾ ٥ ﴿محضرون﴾ ٥ ﴿تصبحون﴾ ٥ ﴿تظهرون﴾ ٥ ﴿بعد موتها﴾ ط ﴿تخرجون﴾ ٥ ﴿تنتشرون﴾ ٥ ﴿ورحمة﴾ ط ﴿يتفكرون﴾ ٥ ﴿وألوانكم﴾ ط ﴿للعالمين﴾ ٥ ﴿من فضله﴾ ط ﴿يسمعون﴾ ٥ ﴿موتها﴾ ط ﴿يعقلون﴾ ٥ ﴿بأمره﴾ ط لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿دعوة﴾ لا وقيل : على من الأرض وكلاهما تعسف.
والحق أن قوله ﴿من الأرض﴾ متعلق بـ ﴿دعاكم﴾ كقولك دعوت زيداً من بيته لا كقولك دعوته من بيتي ﴿تخرجون﴾ ٥ ﴿والأرض﴾ ط ﴿قانتون﴾ ٥ ﴿أهون عليه﴾ ج ﴿والأرض﴾ ط ﴿الحكيم﴾ ٥ ﴿من أنفسكم﴾ ط لانتهاء الإخبار إلى الاستفهام ﴿كخيفتكم أنفسكم﴾ ط ﴿يعقلون﴾ ٥ ﴿بغير علم﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿أضل الله﴾ ط لتمام الاستفهام وابتداء النفي ﴿ناصرين﴾ ٥ ﴿حنيفا﴾ ط ﴿عليها﴾ ط ﴿لخلق الله﴾ ط ﴿القيم﴾ ٥ لا للاستدراك ﴿لا يعلمون﴾ ٥ وقيل : لا وقف عليه بناء على أن ﴿منيبين﴾ حال من ضمير ﴿أقم﴾ على أن الأمر له ولأمته مثل ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم﴾ [الطلاق: ١] والوقف أوضح لبعد العامل عن المعمول بل التقدير : كونوا منيبين بدليل قوله ﴿ولا تكونوا من المشركين﴾ لأن قوله ﴿من الذين﴾ كالبدل مما قبله ﴿شيعاً﴾ ط ﴿فرحون﴾ ٥.
قال المفسرون : لما نزلت الآية قال أبو بكر للمشركين : لا أقر الله أعينكم، والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين. فقال له أبي ابن خلف : كذبت يا أبا فضيل اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، فخاطره على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين. فأخبر أبو بكر رسول الله ﷺ فقال : البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين. فلما أراد أبو بكر أن يخرج من مكة أتاه أبي فلزمه وطلب كفيلاً فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أن يخرج إلى أحد أتاه عبد الله فلزمه إلى أن أقام كفيلاً ثم خرج إلى أحد ثم رجع أبي فمات بمكة من جراحته التي جرحها رسول الله ﷺ فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية. وذلك عند رأس سبع سنين. فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله ﷺ فأمره أن يتصدق به. قالت العلماء : إنما أبهم الوقت لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد الشاسعة قلما يحصل الاتفاق على وقتها المعين من السنة والشهر واليوم والساعة وإن كان معلوماً للنبي بإعلام الله إياه، فالمعاند كان يتمكن من الإرجاف بوقوع الواقعة قبل وقوعها ليحصل الخلف في الميعاد ولكن المعاند لا يتمكن من إنكار الواقعة في البضع، ﴿ويومئذ﴾ أي يوم يغلب الروم فارس ويحصل ما وعد الله من غلبتهم ﴿يفرح المؤمنون بنصر الله﴾ وبغلبة من له كتاب على من لا كتاب له، أو بغيظ الشامتين بهم من كفار مكة. وقيل : نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبر به نبيهم من غلبة الروم. وعن أبي سعيد الخدري : وافق ذلك يوم بدرٍ وهو المراد بنصر الله، وذلك أن خبر الكسر لم يصل إليهم في ذلك اليوم بعينه فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده، ولناصر القولين الأولين أن يقول : أقيم سبب الفرح، مقام الفرح أو المراد باليوم الوقت الواسع الشامل لما بين زمان وقوع الكسر إلى زمان وصول خبر الكسر الموجب للفرح.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : الألف ألفة طبع المؤمنين، واللام لوم طبيعة الكافرين، والميم مغفرة رب العالمين، فمن الألفة أحبوا أهل الكتاب، ومن اللوم أبغضهم الكافرون، ومغفرة رب العالمين شملت الفريقين حتى قال ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾ [الزمر: ٥٣] إلا أن يكون هناك مخصص. ثم أشار إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة وسيغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله ونصره ﴿في بضع سنين﴾ من أيام الطلب ﴿ويومئذ يفرح المؤمنون﴾ وهم الروح والسر والعقل. ﴿أولم يتفكروا﴾ ﴿في﴾ استعداد ﴿أنفسهم ما خلق الله السموات﴾ الروحانية ﴿والأرض﴾ النفسانية إلا ليكون مظهراً للحق ولأجل مسمى بالصبر والثبات في تصفية مرآة القلوب عن صدا الأوصاف الذميمة النفسانية. والأجل المسمى هو أوان صفاء القلب متوجهاً إلى الحق ﴿أولم يسيروا﴾ في أرض البشرية بالسلوك لتبديل الأخلاق ﴿والذين من قبلهم﴾ هم الفلاسفة والبراهمة المعتمدون على مجرد البراهين من غير اعتبار الشرائع. والسوأى هي أن صاروا أئمة الكفر والضلال ﴿الله يبدؤا الخلق﴾ بتصيير النفس متعلقة بالقالب ﴿ثم يعيده﴾ بطريق السير والسلوك والعبور عن المنازل والمقامات إلى عالم الأرواح ﴿ثم إليه ترجعون﴾ بجذبة ﴿ارجعي﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ الإرادة ﴿يبلس المجرمون﴾ بتضييع الأوقات في طلب ما سوى الله. ويوم تقوم الساعة قيامة العشق يومئذ تتفرق المحبون، فبعضهم يطلب الجنة، وبعضهم يطلب الوصلة، وبعضهم يريد الوحدة ﴿فسبحان الله﴾ حين تغلبون على ليل نيل الشهوات وحين صباح نهار تجلي شموس الوصال، وله الحمد إن كنتم في سموات القربات أو أرض البعد والغفلات، وسبحانه في عشاء غشاء القساوة وفي حالة استواء شمس المعرفة في وسط سماء القلب، فإن الربح الخسران في كلتا الحالتين راجع إلى الطائفتين والله منزه عن العالمين. يخرج القلب الحي بنور الله من النفس الميتة في ظلمات صفاتها إبرازاً للطفه، ويخرج القلب الميت عن الأخلاق الحميدة من النفس الحية بالصفات الحيوانية، إظهاراً لقهره، ويحيي أرض القلوب بعد موتها وكذلك تخرجون بدأ وإعادة. فمن آياته خلق سموات القلوب وأرض النفوس، واختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس، فلسان القلب يتكلم بلغة العلويات، ولسان النفس يتكلم بلغات السفليات ﴿واختلاف ألوانكم﴾ وهي الطبائع المختلفة. منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ومنكم من يريد الله ﴿ومن آياته منامكم﴾ في ليل البشرية ﴿وابتغاؤكم من فضله﴾ في نهار الروحانية والمكاشفات الربانية ﴿لقوم يسمعون﴾ كلام الله من شجرة الوجود، ويريكم بروق شواهد الحق ثم اللوامع ثم الطوالع. فتلك الأنوار ترى شهوات الدنيا نيراناً فيخاف منها، وترى مكاره التكاليف جناناً فيطمع فيها. أن تقوم سماء النفس وارض القلب بأمره لأن الروح من أمره ﴿ثم إذا دعاكم﴾ بجذبة ﴿ارجعي﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿إذ أنتم﴾ يعني النفس والقلب والروح ﴿تخرجون﴾ من أنانيته وجودكم ﴿وهو أهون عليه﴾ لأنه في البداية كان مباشراً بنفسه وفي الإعادة يكون المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق. ويحتمل أن يكون أهون من الهون بالضم وهو الذلة والضمير للخلق، وذلك أنهم في البداية لم يكونوا ملوثين بلوث الحدوث، ولا مدنسين بأدناس الشرك والمعاصي، فلعزتهم في البداية باشر خلقهم بنفسه، ولهونهم في الإعادة باشرهم بغيره، ﴿وله المثل الأعلى﴾ فيما أودع من الآيات في سموات الأرواح وأرض القلوب. ﴿ضرب لكم﴾ أي للروح والقلب والسر والعقل ﴿مما ملكت أيمانكم﴾ من الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿فيما رزقناكم﴾ من العلوم والكشوف ﴿تخافونهم﴾ أن لا يضيعوا شيئاً من المواهب بالتصرفات الفاسدة ﴿كخيفتكم أنفسكم﴾ أي كخيفة الروح من القلب أن لا يضيع شيئاً منها بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة وهوى، أو كخيفة القلب من السر والعقل بأن يصرفها فيما يفسد العقائد ويوقع في الشكوك. فكما لا يصلح هؤلاء لشركتكم فكذلك لا تصلحون أنتم لشركتي إذا تجليت عليكم، فدعوى الاتحاد والحلول باطلة والكبرياء ردائي لا غير.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى