التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بنداء ثالث وجهه إلى المؤمنين، دعاهم فيه إلى التشبه بالصالحين الصادقين من عباده فقال :﴿ياأيها الذين آمَنُواْ...﴾.
الحواريون : جمع حوارى. وهم أنصار عيسى - عليه السلام - الذين آمنوا به وصدقوه، وأخلصوا له ولازموه، وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق، وكانوا اثنى عشر رجلا.
يقال : فلان حوارى فلان، أى : هو من خاصة أصحابه، ومنه قول البنى - ﷺ - فى الزبير بن العوام : " لكل نبى حوارى، وحواريى الزبير ".
وأصل الحور : شدة البياض والصفاء، ومنه قولهم فى خالص لباب الدقيق : الحوارى، وفى النساء البيض الحسان : الحواريات والحوريات.
وسمى الله - تعالى - أصفياء عيسى وأنصاره بذلك لشدة إخلاصهم له، وطهارة قلوبهم من الغش والنفاق، فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص.
والأنصار : جمع نصير، وهو من ينصر غيره نصرا شديدا مؤزرا.
والمراد بنصر الله - تعالى - : نصر دينه وشريعته ونبيه الذى أرسله بالهدى، وديم الحق.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : كونوا أنصاراً لله.
والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان داوموا وواظبوا على أن تكونوا أنصاراً لدين الله فى كل حال، كما كان الحواريون كذلك، عندما دعاهم عيسى - عليه السلام - إلى نصرته والوقوف إلى جانبه.
فالكلام محمول على المعنى، والمقصود منه حض المؤمنين على طاعة الرسول - ﷺ - وعلى الاستجابة التامة لما يدعوهم إليه، كما فعل الحواريون مع عيسى، حيث ثبتوا على دينهم، وصدقوا مع نبيهم، دون أن تنال منهم الفتن أو المصائب.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما وجه صحة التشبيه - وظاهره تشبيه كونهم أنصاراً بقول عيسى ﴿مَنْ أنصاري إِلَى الله﴾.
قلت التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح، والمراد كونوا أنصار الله، كما كان الحواريون أنصار عيسى كذلك حين قال لهم : من أنصارى إلى الله.
فإن قتل : فما معنى قوله :﴿مَنْ أنصاري إِلَى الله﴾ ؟ قلت : يجب أن يكون معناه مطابقا لجواب الحواريين :﴿نَحْنُ أَنصَارُ الله﴾ والذى يطابقه أن يكون المعنى : من جندى متوجها إلى نصرة دين الله.
والاستفهام فى قوله - تعالى - :﴿مَنْ أنصاري إِلَى الله﴾ للحض على نصرته والوقوف إلى جانبه، وأضافهم - عليه السلام - إليه، باعتبارهم أنصار دعوته ودينه.
وقوله :﴿إِلَى الله﴾ متعلق بأنصارى، ومعنى " إلى " الانتهاء المجازى، أي : قال عيسى للحواريين على سبيل الامتحان لقوة إيمانهم : من الجند المخلصون الذين أعتمد عليهم بعد الله - تعالى - فى نصرة دينه، وفى التوجه إليه بالعبادة والطاعة وتبليغ رسالته... ؟ ، فأجابوه بقولهم : نحن أنصار دين الله - تعالى - ونحن الذين على استعداد أن نبذل نفوسنا وأموالنا فى سبيل تبليغ دعوته - عز وجل - ومن أجل إعلاء كلمته.
وقوله - تعالى - :﴿فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ﴾ مفرع على ما قبله، لبيان موقف قومه منه، أي : قال الحواريون لعيسى عندما دعاهم إلى اتباع الحق : نحن أنصار دين الله، ونحن الذين سنثبت على العهد... أما بقية بنى إسرائيل فقد افترقوا إلى فرقتين : فرقة آمنت بعيسى وبما جاء به من عند الله - تعالى -، وفرقة أخرى كفرت به وبرسالته.
وقوله :﴿فَأَيَّدْنَا الذين آمَنُواْ على عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾.
بيان للنتائج التى تحققت لكل طائفة من الطائفتين : المؤمنين والكافرين.
وقوله :﴿ظَاهِرِينَ﴾ من الظهور بمعنى الغلبة، يقال : ظهر فلان على فلان، إذا تغلب عليه وقهره، أي : كان من قوم عيسى من آمن به، ومنهم من كفر به، فأيدنا وقوينا ونصرنا الذين آمنوا به، على الذين كفروا به، فصار المؤمنون ظاهرين ومنتصرين على أعدائهم بفضله - تعالى - ومشيئته.
والمقصود من هذا الخبر حض المؤمنون فى كل زمان ومكان، على الإيمان والعمل الصالح، لأن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن يجعل العاقبة لهم، كما جعلها لأتباع عيسى المؤمنين، على أعدائهم الكافرين.
قال بعض العلماء : وتأويل هذا النص يمكن أن ينصرف إلى أحد معنيين : إما أن الذين آمنوا برسالة عيسى - عليه السلام -، هم المسيحيون إطلاقا، من استقام، ومن دخلت فى عقيدته الانحرافات، وقد أيدهم الله - تعالى - على اليهود الذين لم يؤمنوا به أصلا، كما حدث فى التاريخ.
وإما أن الذين آمنوا : هم الذين أصروا على التوحيد فى وجه المؤهلين لعيسى، والمثلثين وسائر النحل التى انحرفت عن التوحيد.
ومعنى : أنهم أصبحوا ظاهرين، أى : بالحجة والبرهان، أو أن التوحيد الذى هم عليه، هو الذى أظهره الله بهذا الدين الأخير - أى : دين الإسلام - وجعل له الجولة الأخيرة فى الأرض. كما وقع فى التاريخ.
هذا المعنى الأخير هو الأرجح والأقرب فى هذا السياق.
وبعد : فهذا تفسير لسورة " الصف " نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه، ونافعاً لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى