الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿كَبُرَ مَقْتاً﴾ : فيه أوجهٌ، أحدها : أَنْ يكونَ مِنْ باب نِعْم وبِئْسَ، فيكون في " كَبُرَ " ضميرٌ مبهمٌ مفسَّرٌ بالنكرة بعدَه، ﴿وأَنْ تقولوا﴾ هو المخصوصُ بالذمِّ فيجيء فيه الخلافُ المشهورُ : هل رَفْعُه بالابتداء، وخبرُه الجملة مقدمةً عليه، أو خبرُه محذوفٌ، أو هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، كما تقدَّم تحريرُه. هذه قاعدةٌ مُطَّردةٌ : كلُّ فعلٍ يجوز التعجبُ منه يجوزُ أَنْ يُبْنَى على فَعُلَ بضم العين ويَجْري مَجْرى نِعْم وبئس في جميعِ الأحكام. والثاني : أنه من أمثلةِ التعجبِ. وقد عدَّه ابنُ عصفور في التعجبِ المبوبِ له في النحو فقال :" صيغة ما أفْعَلَه وأَفْعِلْ به ولَفَعُل نحو : لَرَمُوَ الرجل ". وإليه نحا الزمخشري فقال :" هذا مِنْ أفصحِ كلامٍ وأبلغِه في معناه. قَصَدَ في " كَبُرَ " التعجَب من غير لفظه كقوله :
٤٢٥٦. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . غلَتْ نابٌ كُلَيْبٌ بَواؤُها
ثم قال :" وأَسْند إلى " أَنْ تقولوا " ونَصَبَ " مَقْتاً " على تفسيره دلالةً على أنَّ قولَهم ما لا يفعلون مَقْتٌ خالِصٌ لا شَوْبَ فيه ". الثالث : أنَّ كَبُرَ ليس للتعجبِ ولا للذَّمِّ، بل هو مُسْنَدٌ إلى " أَنْ تقولوا " و " مَقْتاً " تمييزٌ محولٌ من الفاعلية، والأصل : كَبُرَ مَقْتُ أَنْ يقولوا أي : مَقْتُ قَوْلِكم. ويجوز أن يكونَ الفاعلُ مضمراً عائداً على المصدرِ المفهومِ مِنْ قولِه :" لِم تقولونَ " أي : كَبُر هو أي : القولُ مَقْتاً، و " أَنْ تقولوا " على هذا : إما بدلٌ من ذلك الضميرِ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي : هو أن تقولوا. وقرأ زيد بن علي " يُقاتَلون " بفتح التاءِ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. وقُرِىء " يُقَتَّلون " بالتشديد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى