التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما كان من الابن وأبيه فقال :﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ وأسلما : بمعنى استلسلما وانقادا لأمر الله، فالفعل لازم، أو بمعنى : سلَّم الذبيح نفسه وسلم الأب ابنه، فيكون متعديا والمفعول محذوف.
وقوله ﴿وَتَلَّهُ﴾ أى : صرعه وأسقطه، وأصل التل : الرمى على التَّل وهو الرمل الكثيف المرتفع، ثم عمم فى كل رمى ودفع، يقال : تل فلان فلانا إذا صرعه وألقاه على الأرض.
والجبين : أحد جانبى الجبهة، وللوجه جبينان، والجبهة بينهما.
أى : فلما استسلم الأب والابن لأمر الله - تعالى - وصرع الأب ابنه على شقه، وجعل جبينه على الأرض، واستعد الأب لذبح ابنه.. كان ما كان منا من رحمة بهما. ومن إكرام لهما، ومن إعلاء لقدرهما.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أين جواب لما ؟ قلت : هو محذوف تقديره : فلما أسلم وتله للجبين ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَن يا إبراهيم. قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ﴾ كان ما كان مما تنطق به الحال، ولا يحيط به الوصف من استبشارها واغتباطهما، وحمدهما لله، وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما اكتسبا فى تضاعيفه من الثواب، ورضوان الله الذى ليس وراءه مطلوب..
وقد ذكروا هنا آثار منها أن إسماعيل - عليه السلام - لما هم أبوه بذبحه قال له : يا أبت اشدد رباطى حتى لا اضطرب، واكفف عنى ثيابك حتى لا يتناثر عليها شئ من دمى فتراه أمى فتحزن، وأسرع مرّ السكين على حلقى ليكون أهون للموت على، فإذا أتيت أمى فاقرأ عليها السلام منى.. وكان ذلك عند الخصرة التى بمنى..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى