البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
﴿إِذْ أَبَقَ﴾ هرب. والإباق : الهرب إلى حيث لا يهتدي إليه الطلب، فسمي هربه من قومه بغير إذن ربه إباقاً، مجازاً. رُوي أنه لمَّا فرَّ عنهم، وقف في مكان ينتظر نزول العذاب بهم، وكان يُحب ذلك ؛ لتكذيبهم إياه، فلما رأوا مخايل العذاب تابوا وخرجوا إلى الصحراء، يجأرون إلى الله تعالى، فكشف عنهم، فلما رأى يونس العذابَ انكشف عنهم، كره أن يرجع إليهم، فركب البحر، فأوى ﴿إِلى الفُلْكِ المشحونِ﴾ : المملوء بالناس والمتاع، فلما ركب معهم وقفت السفينة، فقالوا : هاهنا عبد آبق من سيده. وفيما يزعم أهل البحر : أن السفينة إذا كان فيها آبق لم تجرِ، فاقترعوا، فخرجت القرعةُ على يونس، فقال : أنا الآبق، وزجّ بنفسه في البحر، فذلك قوله :﴿فَسَاهَمَ﴾ : فقارعهم مرة أو ثلاثاً بالسهام، ﴿فكان من المدْحَضِين﴾ المغلوبين بالقرعة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : في قصة يونس نكتة صوفية، ينبغي الاعتناء بها، وهو أن العبد إذا زلّت قدمُه، وانحطّ عن منهاج الاستقامة، لا ييأس ولا يضعُف عن التوجه، بل يلزم قرعَ الباب، ويتذكر ما سلف له من صالح الأعمال، فإن الله تعالى يرعى ذمام عبده، كما يرعى العبد ذمام سيده، وفي حال البُعد والغضب يظهر المحب الصادق من الكذّاب، وفي ذلك يقول ابن وفا رضي الله عنه :
ونحن على العهد نرعى الذماموعهد المحبين لا ينقضي
صددت فكنت مليح الصدودوأعرضتَ أُفديك من معرض
وفي حالة السخط لا في الرضابيان المحب من المُبغض
وفيها أيضاً : الحث على الشفقة على عباد الله، وإن كانوا عصاة. قال القشيري : وفي القصة : أن الله تعالى أوحى إلى يونس بعد نجاته : قُلْ لفلانٍ الفَخَّار : يَكْسِرَ من الجرات ما عمله في هذه السنة كلّها، فقال يونس : يا ربِّ، إنه تعنَّى مدة في إنجاز ذلك، فكيف آمُره يكسرها كلّها ؟ فقال له : يا يونس، يَرِقُّ قلبُك لخزاف يُتْلِفُ عَمَلَ سنةٍ، وأردتَ أن أُهْلِكَ مائةَ ألفٍ من عبادي ؟ لم تخلقهم، ولو خَلَقْتَهم لرحمتهم. ه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى