الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
وقرأ العامَّةُ " مُطَّلِعُوْنَ " بتشديد الطاءِ مفتوحةً وبفتح النونِ. " فاطَّلَع " ماضياً مبنياً للفاعل، افْتَعَلَ من الطُّلوع.
وقرأ ابنُ عباس في آخرين - ويُرْوَى عن أبي عمروٍ - بسكونِ الطاءِ وفتح النون " فأُطْلِعَ " بقطعِ همزةٍ مضمومةٍ وكسرِ اللامِ ماضياً مبنياً للمفعول. و " مُطْلِعُوْنَ " على هذه القراءةِ يحتمل أَنْ يكونَ قاصراً أي : مُقْبِلون مِنْ قولِك : أَطْلَعَ علينا فلانٌ أي : أَقْبَلَ، وأَنْ يكونَ متعدياً، ومفعولُه محذوفٌ أي : أصحابَكم.
وقرأ أبو البرهسم وعَمَّار بن أبي عمار " مُطْلِعُوْنِ " خفيفةَ الطاء مكسورةَ النونِ، " فَأُطْلِعَ " مبنياً للمفعول. وقد رَدَّ الناسُ - أبو حاتم وغيرُه - هذه القراءةَ من حيث الجمعُ بين النونِ وضميرِ المتكلم ؛ إذ كان قياسُها مُطْلِعيَّ، والأصل : مُطْلِعُوْي، فأُبْدِل وأُدْغِمَ نحو : جاء مُسْلِميَّ العاقلون، وقوله عليه السلام " أوَ مُخْرِجِيَّ هم " وقد وَجَّهها ابنُ جني على أنَّه أُجْرِيَ فيها اسمُ الفاعل مُجْرى المضارع، يعني في إثباتِ النونِ فيه مع الضميرِ. وأَنْشَدَ الطبريُّ على ذلك :
٣٨٠٦ وما أَدْري وظَنِّي كلَّ ظنِّأمُسْلِمُنِي إلى قومي شُراح
وإليه نحا الزمخشريُّ قال :" أو شَبَّه اسمَ الفاعلِ في ذلك بالمضارعِ لتآخي بينِهما كأنَّه قال :" يُطْلِعُونِ ". وهو ضعيفٌ لا يقع إلا في شِعْرٍ. وذكر فيه توجيهاً آخر فقال :" أراد مُطْلِعونَ إياي فوضع المتصلَ موضعَ المنفصلِ، كقوله :
٣٨٠٧ هم الفاعلونَ الخيرَ والآمِرُوْنَه ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ورَدَّه الشيخ : بأنَّ هذا ليس مِنْ مواضِع المنفصلِ حتى يَدَّعِيَ أن المتصلَ وَقَعَ موقِعَه. لا يجوز :" هندُ زيدٌ ضاربٌ إياها، ولا زيدٌ ضارِبٌ إياي " قلت : إنما لم يَجُزْ ما ذَكَرَ ؛ لأنه إذا قُدِرَ على المتصلِ لم يُعْدَلْ إلى المنفصلِ. ولقائلٍ أَنْ يقولَ : لا نُسَلِّمُ أنه يُقْدَرُ على المتصلِ حالةَ ثبوتِ النونِ والتنوينِ قبل الضميرِ، بل يصيرُ الموضعُ موضعَ الضميرِ المنفصلِ ؛ فيَصِحُّ ما قاله الزمخشريُّ. وللنحاةِ في اسمِ الفاعلِ المنونِ قبل ياءِ المتكلمِ نحوَ البيتِ المتقدمِ، وقولِ الآخر :
٣٨٠٨ فهَلْ فتىً مِنْ سَراةِ القَوْمِ يَحْمِلُنيوليس حامِلَني إلاَّ ابنُ حَمَّالِ
وقول الآخر :قولان، أحدُهما : أنَّه تنوينٌ، وأنه شَذَّ تنوينُه مع الضميرِ، وإنْ قلنا : إن الضمير بعده في محلِّ نصبٍ. والثاني : أنه ليس تنويناً، وإنما هو نونُ وقايةٍ. واستدلَّ ابنُ مالكٍ على هذا بقولِه :
٣٨٠٩ وليس بمُعْيِيْنِيْ وفي الناسِ مُمْتِعٌصَديقٌ إذا أعْيا عليَّ صديقُ
وليس بمُعْيِيْني. . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبقوله أيضاً :
٣٨١٠ وليس المُوافِيني لِيُرْفَدَ خائباًفإنَّ له أَضْعافَ ما كان أمَّلا
ووَجْهُ الدلالةِ من الأول : أنَّه لو كان تنويناً لكان ينبغي أن يحذفَ الياءَ قبلَه ؛ لأنه منقوصٌ منونٌ، والمنقوص المنونُ تُحذف ياؤه رفعاً وجَرَّاً لالتقاء الساكِنَيْن.
ووجهُها من الثاني : أنَّ الألفَ واللامَ لا تُجامِعُ النونَ والذي يُرَجِّح القولَ الأولَ ثبوتُ النونِ في قوله :" والآمِرُوْنَه " وفي قولِه :
٣٨١١ ولم يَرْتَفِقْ والناسُ مَحْتَضِرُونَهجميعاً وأَيْدي المُعْتَفِيْنَ رواهِقُهْ
فإنَّ النونَ قائمةٌ مقامَ التنوينِ تثنيةً وجمعاً على حَدِّها. وقال أبو البقاء :" ويُقْرأ بكسرِ النونِ، وهو بعيدٌ جداً ؛ لأنَّ النونَ إنْ كانت للوقايةِ فلا تَلْحَقُ الأسماءَ، وإنْ كانَتْ نونَ الجمعِ فلا تَثْبُتُ في الإِضافةِ ". قلت : وهذا الترديدُ صحيحٌ لولا ما تقدَّم من الجوابِ عنه مع تَكَلُّفٍ فيه، وخروجٍ عن القواعد، ولولا خَوْفُ السَّآمةِ لاسْتَقْصَيْتُ مذاهبَ النحاةِ في هذه المسألة.
وقُرِئ " مُطَّلِعُوْن " بالتشديد كالعامَّة، " فأَطَّلِعَ " مضارعاً منصوباً بإضمار " أَنْ " على جوابِ الاستفهامِ. وقُرِئ " مُطْلِعون " بالتخفيف " فَأَطْلَعَ " مخففاً ماضياً ومخففاً مضارعاً منصوباً على ما تقدَّم. يُقال : طَلَع علينا فلانٌ وأَطْلع، كأكْرم، واطَّلَعَ بالتشديد بمعنًى واحد.
وأمَّا قراءةُ مَنْ بنى الفعلَ للمفعولِ في القائمِ مقامَ الفاعلِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أنه مصدرُ الفعلِ أي : أُطْلِعَ الإِطلاعُ. الثاني : الجارُّ المقدرُ. الثالث - وهو الصحيح - أنه ضميرُ القائلِ لأصحابِه ما قاله ؛ لأنه يُقال : طَلَعَ زيدٌ وأَطْلعه غيرُه، فالهمزَةُ فيه للتعدية. وأمَّا الوجهان الأوَّلان فذهب إليهما أبو الفضل الرازيُّ في " لوامحه " فقال :" طَلَعَ واطَّلع إذا بدا وظَهَر، وأَطْلَع إطلاعاً إذا جاء وأَقْبَلَ. ومعنى ذلك : هل أنتم مُقْبلون فأُقْبل. وإنما أُقيم المصدرُ فيه مُقام الفاعلِ بتقدير : فأُطْلِعَ الإِطلاعُ، أو بتقدير حرفِ الجر المحذوف أي : أُطْلِعَ به ؛ لأن أَطْلَعَ لازم كما أنَّ أَقْبَلَ كذلك ".
وقد رَدَّ الشيخُ عليه هذين الوجهين فقال :" قد ذَكرْنا أنَّ أَطْلَعَ بالهمزةِ مُعَدَّى مِنْ طَلَعَ اللازمِ. وأمَّا قولُه :" أو حرف الجرِّ المحذوف أي : أُطْلِع به " فهذا لا يجوزُ ؛ لأنَّ مفعولَ ما لم يُسَمّ فاعلُه لا يجوزُ حَذْفُه لأنه نائبٌ عنه، فكما أنَّ الفاعلَ لا يجوزُ حَذْفُه دونَ عامِله فكذلك هذا. لو قلت :" زيدٌ ممرورٌ أو مغضوبٌ " تريد : به أو عليه لم يَجُزْ ". قلت : أبو الفضل لا يَدَّعِي أنَّ النائبَ عن الفاعل محذوفٌ، وإنما قال : بتقدير حرفِ الجرِّ المحذوفِ. ومعنى ذلك : أنه لَمَّا حُذِفَ حرفُ الجرِّ اتِّساعاً انقلبَ الضميرُ مرفوعاً فاستتر في الفعلِ، كما يُدَّعى ذلك في حَذْفِ عائد الموصولِ المجرورِ عند عَدَمِ شروطِ الحذفِ/ ويُسَمَّى الحذفَ على التدريج.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى