تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآيتان ٩ و١٠ : وقوله تعالى :﴿قد أفلح من زكاها﴾ ﴿وقد خاب من دساها﴾ فموقع ما تقدم من القسم بالشمس والقمر والليل والنهار على هذا.
فقوله تعالى :﴿قد أفلح من زكاها﴾ ﴿وقد خاب من دساها﴾ ](١) في الآخرة(٢) [ فيكون هذا منصرفا إلى الجزاء في الآخرة على ](٣) ما يذكر في قوله :﴿إن سعيكم لشتى﴾ [الليل: ٤] فيكون في هذا إيجاب القول بالبعث من الوجه الذي نذكر إن شاء الله تعالى.
ثم اختلفوا في تأويل الفلاح : قال بعضهم : أفلح أي سعد، ومنهم من يقول : أي بقي في الخيرات، والفلاح البقاء، ومنهم من يقول : أفلح أي فاز، والمفلح في الجملة، هو الذي يظفر بما يأمل، وينجو عما يحذر، فيدخل في تلك السعادة والبقاء والفوز.
وقوله تعالى :﴿من زكاها﴾ فجائز أن يكون منصرفا إلى الله تعالى، وجائز أن ينصرف إلى العبد. قال الله تعالى :﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء﴾ [النور: ٢١] وقال :﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾ [يونس: ٥٨] فبين الله تعالى أنه هو الذي يفضل بتزكيته من زكا. وجائز أن يكون يصرف إلى العبد قوله تعالى :﴿زكاها﴾ أي صاحبها. وكذلك قوله تعالى :﴿وقد خاب من دساها﴾ يحتمل هذين الوجهين، فيكون /٦٤٣ – ب/ الله تعالى، هو الذي أنشأ فعل الضلال/ فيكون الفعل من حيث الإنشاء من الله تعالى ومن حيث الفعل من العبد.
ثم قوله تعالى :﴿من دساها﴾ أي أخفاها، وإخفاؤها أنه صيرها بحيث لا تذكر في المحافل إلا بالذم، وزكى الآخر [ نفسه : أي طهرها ](٤) حتى ينظر إليها الناس بعين التبجيل والتعظيم. وهكذا شأن المتقي أن يكون مبجلا معظما في ما بين الخلق، والفاجر يعيش مذموما مهانا في ما بين الخلق، أو يرجع الإظهار والإخفاء إلى الآخرة، فيجلّ قدر المتقي المزكي، ويحمد ذكر الفاجر.
وقوله تعالى :﴿دساها﴾ من دسس، فأسقط السين، وأبدل مكانها الياء.
ثم الإضافة في قوله ﴿دساها﴾ إلى الله تعالى على خلق ذلك الفعل منه، وفي قوله ﴿من زكاها﴾ على التوفيق.
١ ساقطة من م..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل، في م: على..
٤ في الأصل وم: أظهرها..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى