اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿أَوَ لَمْ يَكُن لَهُمْ آيَةً﴾. قرأ ابن عامر(١) «تَكُنْ » بالتاء من فوقه «آيَةٌ » بالرفع. والباقون «يَكُنْ » بالياء من تحت «آيَةً » بالنصب(٢). وابن عباس :«تَكُنْ » بالتاء من فوق «آيَةٌ » بالنصب(٣). فأما قراءة ابن عامر فتكون يحتمل أن تكون تامة، وأن تكون ناقصة. فإن كانت تامة جاز أن يكون «لَهُمْ » متعلقاً بها، و «آيَةٌ » فاعلاً بها، و «أَنْ يَعْلَمَهُ » إما بدل من «آيَةٌ » وإما خبر مبتدأ مضمر، أي : أو لم تحدث لهم علامةُ علم علماء بني إسرائيل(٤). وإن كانت ناقصة جاز فيها أربعة أوجه :
أحدها : أن يكون اسمها مضمراً فيها بمعنى(٥) القصة، و ﴿آيَةً أَن يَعْلَمَهُ﴾ جملة قدم فيها الخبر واقعةٌ موقع خبر «تَكُنْ »(٦).
الثاني : أن يكون اسمها ضمير القصة أيضاً و «لَهُمْ » خبر مقدم، و «آيَةٌ » مبتدأ مؤخر، والجملة خبر «تَكُنْ »، و «أَنْ يَعْلَمَهُ » إما بدل من «آيَةٌ »(٧) وإما خبر مبتدأ مضمر، أي : هي أن يعلمه.
الثالث : أن يكون «لَهُمْ » خبر «تَكُنْ » مقدماً على اسمها، و «آيَةٌ » اسمها، و «أنْ يَعْلَمَهُ » على الوجهين المتقدمين : البدلية، وخبر ابتداء مضمر(٨).
الرابع : أن تكون «آيَةٌ » اسمها، و «أَنْ يَعْلَمَهُ » خبرها. وقد اعترض هذا بأنه يلزم جعل الاسم نكرة والخبر معرفة(٩) وقد نص بعضهم على أنه ضرورة(١٠) كقوله :
٣٩٢٤ - وَلاَ يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكِ الوَدَاعَا(١١) ***. . .
وقوله :
٣٩٢٥ - يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ(١٢) ***. . .
وقد اعتذر عن ذلك بأنَّ «آيَةٌ » قد تخصصت بقوله :«لَهُمْ »(١٣) فإنه حال منها، والحال صفة، وبأن تعريف الخبر ضعيف لعمومه. وهو اعتذار باطل، ولا ضرورة تدعو إلى هذا التخريج، بل التخريج ما تقدم. وأما قراءة الباقين فواضحة جداً، ف(١٤) «آيَةٌ » خبر مقدم، و «أَنْ يَعْلَمَهُ » اسمها مؤخر، و «لَهُمْ » متعلق ب «آيَةٌ » حالاً من «آية »(١٥). وأما قراءة ابن عباس كقراءة :﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا﴾(١٦) [الأنعام: ٢٣]، وكقول لبيد :
إما لتأنيث الاسم لتأنيث(١٩) ( الخبر )(٢٠)، وإما لأنه بمعنى المؤنث، ألا ترى أنَّ «أَنْ يَعْلَمَهُ » في قوة المعرفة، و ﴿إِلاَّ أَنْ قَالُوا﴾ في قوة مقالتهم، وإِقْدَامُهَا بإقْدَامَتِهَا(٢١).
وقرأ الجحدريّ :«أَنْ تَعْلَمَهُ » بالتاء من فوق(٢٢)، شبَّه البنين بجمع التكسير في تغيّر واحده صورةً، فعامل(٢٣) فعله المسند إليه معاملة فعله في لحاق علامة التأنيث، وهذا كقوله :
وكتبوا في الرسم الكريم :«عُلَمواء » بواو بين الميم والألف(٢٥). قيل : هو على لغة من يميل الألف نحو الواو، وهذا كما فعل في «الصَّلاة والزَّكْاة »(٢٦).
المعنى : أو لم يكن لهؤلاء المنكرين علم بني إسرائيل علامة ودلالة على نبوة محمد - ﷺ - لأنّ العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم، كعبد الله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد(٢٧). قال ابن عباس : بعث أهل مكة إلى اليهود بالمدينة فسألوهم عن محمد - ﷺ - فقالوا : إنَّ هذا لزمانه(٢٨)، وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته، فكان ذلك آية على صدقه(٢٩).
أحدها : أن يكون اسمها مضمراً فيها بمعنى(٥) القصة، و ﴿آيَةً أَن يَعْلَمَهُ﴾ جملة قدم فيها الخبر واقعةٌ موقع خبر «تَكُنْ »(٦).
الثاني : أن يكون اسمها ضمير القصة أيضاً و «لَهُمْ » خبر مقدم، و «آيَةٌ » مبتدأ مؤخر، والجملة خبر «تَكُنْ »، و «أَنْ يَعْلَمَهُ » إما بدل من «آيَةٌ »(٧) وإما خبر مبتدأ مضمر، أي : هي أن يعلمه.
الثالث : أن يكون «لَهُمْ » خبر «تَكُنْ » مقدماً على اسمها، و «آيَةٌ » اسمها، و «أنْ يَعْلَمَهُ » على الوجهين المتقدمين : البدلية، وخبر ابتداء مضمر(٨).
الرابع : أن تكون «آيَةٌ » اسمها، و «أَنْ يَعْلَمَهُ » خبرها. وقد اعترض هذا بأنه يلزم جعل الاسم نكرة والخبر معرفة(٩) وقد نص بعضهم على أنه ضرورة(١٠) كقوله :
٣٩٢٤ - وَلاَ يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكِ الوَدَاعَا(١١) ***. . .
وقوله :
٣٩٢٥ - يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ(١٢) ***. . .
وقد اعتذر عن ذلك بأنَّ «آيَةٌ » قد تخصصت بقوله :«لَهُمْ »(١٣) فإنه حال منها، والحال صفة، وبأن تعريف الخبر ضعيف لعمومه. وهو اعتذار باطل، ولا ضرورة تدعو إلى هذا التخريج، بل التخريج ما تقدم. وأما قراءة الباقين فواضحة جداً، ف(١٤) «آيَةٌ » خبر مقدم، و «أَنْ يَعْلَمَهُ » اسمها مؤخر، و «لَهُمْ » متعلق ب «آيَةٌ » حالاً من «آية »(١٥). وأما قراءة ابن عباس كقراءة :﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا﴾(١٦) [الأنعام: ٢٣]، وكقول لبيد :
| ٣٩٢٦ - فَمَضَى وَقَدَّمَهَا وَكَانَتْ عَادَةً | مِنْهُ إذَا هِيَ عَرَّدَتْ(١٧) أَقْدَامُهَا(١٨) |
وقرأ الجحدريّ :«أَنْ تَعْلَمَهُ » بالتاء من فوق(٢٢)، شبَّه البنين بجمع التكسير في تغيّر واحده صورةً، فعامل(٢٣) فعله المسند إليه معاملة فعله في لحاق علامة التأنيث، وهذا كقوله :
| ٣٩٢٧ - قَالَتْ بَنُو عَامِرٍ خَالُوا بَنِي أَسَدٍ | يَا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرَّاراً لأَقْوَامِ(٢٤) |
فصل :
المعنى : أو لم يكن لهؤلاء المنكرين علم بني إسرائيل علامة ودلالة على نبوة محمد - ﷺ - لأنّ العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم، كعبد الله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد(٢٧). قال ابن عباس : بعث أهل مكة إلى اليهود بالمدينة فسألوهم عن محمد - ﷺ - فقالوا : إنَّ هذا لزمانه(٢٨)، وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته، فكان ذلك آية على صدقه(٢٩).
١ في ب: ابن عباس. وهو تحريف..
٢ السبعة (٤٧٣)، الكشف ٢/١٥٢، النشر ٢/٣٣٦، الإتحاف (٣٣٤)..
٣ البحر المحيط ٧/٤١..
٤ انظر التبيان ٢/١٠٠١..
٥ في ب: يعني..
٦ انظر الكشاف ٣/١٢٧، البيان ٢/٢١٦، التبيان ٢/١٠٠١..
٧ انظر الكشاف ٣/١٢٧..
٨ انظر التبيان ٢/١٠٠١..
٩ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/١٠١ والكشاف ٣/١٢٧..
١٠ أي: أن وقوع الاسم نكرة والخبر معرفة إنما هو ضرورة في الشعر، قال المبرد: ( واعلم أن الشعراء يضطرون فيجعلون الاسم نكرة والخبر معرفة، وإنما حملهم على ذلك معرفتهم أن الاسم والخبر يرجعان إلى شيء واحد، فمن ذلك قول حسان:
المقتضب ٤/٩١-٩٢..
١١ عجز بيت من بحر الوافر، قاله القطامي، وصدره:
قفي قبل التَّفرُّق يا ضباعا ***...
وقد تقدم..
١٢ عجز بيت من بحر الوافر قاله حسان بن ثابت، وصدره:
كأنَّ سبيئةً من بيت رأسٍ ***...
رأس: موضع بالشام. والشاهد فيه نصب (مزاجها) على الخبر، وهو معرف بإضافته إلى الضمير، ورفع (عسل وماء) على أنه اسم (يكون)، وهو نكرة، وذلك على خلاف الأصل لضرورة الشعر. وقد تقدم..
١٣ انظر التبيان ٢/١٠٠١، المغني ٢/٤٥٤..
١٤ في ب: و..
١٥ انظر الكشاف ٣/١٢٧، البيان ٢/٢١٦..
١٦ [الأنعام: ٢٣]. بتاء التأنيث في "تكن" ونصب "فتنتهم" وهي قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وروى خلف وغيره عن عبيد عن شبل عن ابن كثير كذلك. السبعة (٢٥٥)، الكشف ١/٤٢٦ و "فتنتهم" خبر "تكن" مقدم، و"إلاَّ أن قالوا" اسمها مؤخر..
١٧ في النسختين: عددت..
١٨ البيت من بحر الكامل، قاله ليد. وقد تقدم..
١٩ لتأنيث: سقط من ب..
٢٠ الخبر: زيادة من البحر المحيط..
٢١ انظر البحر المحيط ٧/٤١..
٢٢ المختصر (١٠٧)، البحر المحيط ٧/٤١..
٢٣ في ب: فعامله..
٢٤ البيت من بحر البسيط، قاله النابغة الذبياني. وقد تقدم..
٢٥ في ب: وألف..
٢٦ انظر الكشاف ٣/١٢٧، البحر المحيط ٧/٤١..
٢٧ انظر البغوي ٦/٣٤٠-٣٤١..
٢٨ في ب: الزمانه، وهو تحريف..
٢٩ انظر البغوي ٦/٢٤٠..
٢ السبعة (٤٧٣)، الكشف ٢/١٥٢، النشر ٢/٣٣٦، الإتحاف (٣٣٤)..
٣ البحر المحيط ٧/٤١..
٤ انظر التبيان ٢/١٠٠١..
٥ في ب: يعني..
٦ انظر الكشاف ٣/١٢٧، البيان ٢/٢١٦، التبيان ٢/١٠٠١..
٧ انظر الكشاف ٣/١٢٧..
٨ انظر التبيان ٢/١٠٠١..
٩ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/١٠١ والكشاف ٣/١٢٧..
١٠ أي: أن وقوع الاسم نكرة والخبر معرفة إنما هو ضرورة في الشعر، قال المبرد: ( واعلم أن الشعراء يضطرون فيجعلون الاسم نكرة والخبر معرفة، وإنما حملهم على ذلك معرفتهم أن الاسم والخبر يرجعان إلى شيء واحد، فمن ذلك قول حسان:
| كأنَّ سلافةً من بيت راسٍ | يكون مزاجها عسلٌ وماء) |
١١ عجز بيت من بحر الوافر، قاله القطامي، وصدره:
قفي قبل التَّفرُّق يا ضباعا ***...
وقد تقدم..
١٢ عجز بيت من بحر الوافر قاله حسان بن ثابت، وصدره:
كأنَّ سبيئةً من بيت رأسٍ ***...
رأس: موضع بالشام. والشاهد فيه نصب (مزاجها) على الخبر، وهو معرف بإضافته إلى الضمير، ورفع (عسل وماء) على أنه اسم (يكون)، وهو نكرة، وذلك على خلاف الأصل لضرورة الشعر. وقد تقدم..
١٣ انظر التبيان ٢/١٠٠١، المغني ٢/٤٥٤..
١٤ في ب: و..
١٥ انظر الكشاف ٣/١٢٧، البيان ٢/٢١٦..
١٦ [الأنعام: ٢٣]. بتاء التأنيث في "تكن" ونصب "فتنتهم" وهي قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وروى خلف وغيره عن عبيد عن شبل عن ابن كثير كذلك. السبعة (٢٥٥)، الكشف ١/٤٢٦ و "فتنتهم" خبر "تكن" مقدم، و"إلاَّ أن قالوا" اسمها مؤخر..
١٧ في النسختين: عددت..
١٨ البيت من بحر الكامل، قاله ليد. وقد تقدم..
١٩ لتأنيث: سقط من ب..
٢٠ الخبر: زيادة من البحر المحيط..
٢١ انظر البحر المحيط ٧/٤١..
٢٢ المختصر (١٠٧)، البحر المحيط ٧/٤١..
٢٣ في ب: فعامله..
٢٤ البيت من بحر البسيط، قاله النابغة الذبياني. وقد تقدم..
٢٥ في ب: وألف..
٢٦ انظر الكشاف ٣/١٢٧، البحر المحيط ٧/٤١..
٢٧ انظر البغوي ٦/٣٤٠-٣٤١..
٢٨ في ب: الزمانه، وهو تحريف..
٢٩ انظر البغوي ٦/٢٤٠..