الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ : يجوز أَنْ تكونَ الجملةُ صفةً ل " قريةٍ "، وأَنْ تكونَ حالاً منها. وسَوَّغَ ذلك سَبْقُ النفيِ. وقال الزمخشري :" فإنْ قلتَ : كيف عَزَلْتَ الواوَ عن الجملةِ بعدَ " إلاَّ " ولم تُعْزَلْ عنها في قولِه :
﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] قلت : الأصلُ عَزْلُ الواوِ ؛ لأنَّ الجملةَ صفةٌ ل " قريةٍ ". وإذا زِيْدَتْ فلتأكيدِ وَصْلِ الصفةِ بالموصوفِ كما قي قوله :﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]. قال الشيخ :" ولو قدَّرنا " لها مُنْذِرُون " جملةً لم يَجُزْ أن تجيءَ صفةً بعد " إلاَّ ".
ومذهبُ الجمهورِ أنه لا تجيءُ الصفةُ بعد " إلاَّ " معتمدةً على أداةِ الاستثناءِ نحو : ما جاءَني أحدٌ إلاَّ راكبٌ. وإذا سُمِع مثلُ هذا خَرَّجوه على البدلِ، أي : إلاَّ رجلٌ را كبٌ. ويَدُلُّ على صحةِ هذا المذهبِ أنَّ العربَ تقولُ :" ما مررتُ بأحدٍ إلاَّ قائماً " ولا يُحْفَظُ عنهم " إلاَّ قائمٍ " بالجرِّ. فلو كانت الجملةُ صفةً بعد " إلاَّ لَسُمِعَ الجرُّ في هذا. [ وأيضاً فلو كانَتْ الجملةُ صفةً للنكرة لجاز أَنْ تقعَ صفةُ المعرفةِ بعد " إلاَّ " يعني نحو :" ما مررتُ بزيدٍ إلاَّ العاقلِ " ].
ثم قال :" فإنْ كانَتِ الصفةُ غيرَ معتمدةٍ على الأداةِ جاءَتِ الصفةُ بعد " إلاَّ " نحو :" ما جاءني أحدٌ إلاَّ زيدٌ خيرٌ من عمروٍ ". التقدير : ما جاءني أحدٌ خيرٌ من عمرٍو إلاَّ زيدٌ. وأمَّا كونُ الواوِ تُزاد لتأكيد وَصْلِ الصفةِ بالموصوفِ فغيرُ معهودٍ في عبارةِ النَّحْويين. لو قلتَ :" جاءني رجلٌ وعاقلٌ " أي :" رجلٌ عاقلٌ " لم يَجُزْ. وإنما تدخل الواوُ في الصفاتِ جوازاً إذا عُطِفَ بعضُها على بعضٍ، و تَغَايَرَ مدلُولها نحو : مررت بزيدٍ الشجاعِ والشاعرِ. وأمَّا ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] فتقدَّم الكلامُ عليه ".
قلت : أمَّا كونُ الصفةِ لا تقعُ بعد " إلاَّ " معتمدةً، فالزمخشريُّ يختارُ غيرَ هذا، فإنَّها مسألةً خلافيةً. وأمَّا كونُه لم يُقَلْ " إلاَّ قائماً " بالنصبِ دونَ " قائم " بالجرِّ فذلك على أحدِ الجائزين وليس فيه دليلٌ على المَنْعِ مِنْ قَسيمِه. وأمَّا قولُه " فغيرُ معهودٍ من كلامِ النحويين " فمَمنوعٌ. هذا ابنُ جني نَصَّ عليه في بعضِ كتبه. وأمَّا إلزامُه أنها لو كانَتِ الجملةُ صفةً بعد " إلاَّ " للنكرةٍ لجاز أَنْ تقعَ صفةُ المعرفة بعد " إلاَّ " فغيرُ لازمٍ ؛ لأنَّ ذلك مختصٌّ بكونِ الصفةِ جملةً. وإذا كانت جملةً تعذَّر كونُها صفةً للمعرفةِ. وإنما اختصَّ ذلك بكونِ الصفةِ جملةً ؛ لأنها لتأكيدِ وَصْلِ الصفةِ، والتأكيد لائقٌ بالجملةِ. وأمَّا قولُه :" لو قلتَ : جاءني رجلٌ وعاقلٌ لم يَجُزْ " فمُسَلَّمٌ، ولكن إنما امتنع ذلك في جملةً، فإنَّ اللَّبْسَ مُنْتَفٍ. وقد تقدَّم ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ﴾ فَلْيُلْتَفَتْ إليه ثَمَّة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى